السّفر [1] ، وأخذت في غسل الجمعة بالأثر [2] . ثمّ بادرت في هيئة الخاشع، إلى مسجدها الجامع، لألحق بمن يقرب من الإمام، ويقرّب أفضل الأنعام [3] .
فحظيت بأن جلّيت [4] في الحلبة، وتخيّرت المركز [5] لاستماع الخطبة. ولم يزل النّاس يدخلون في دين الله أفواجا [6] ، ويردون فرادى وأزواجا، حتّى إذا اكتظّ [7]
الجامع بحفله [8] ، وأظلّ [9] تساوي الشّخص وظلّه [10] ، برز الخطيب في أهبته، متهاديا [11] خلف عصبته [12] . فارتقى في منبر الدّعوة [13] ، إلى أن مثل [14]
بالذّروة [15] ، فسلّم مشيرا باليمين، ثمّ جلس حتّى ختم نظم التّأذين. ثمّ قام وقال:
الحمد لله الممدوح الأسماء، المحمود الآلاء [16] ، الواسع العطاء، المدعوّ لحسم اللّأواء [17] . مالك الأمم ومصوّر الرّمم [18] ، وأهل السّماح والكرم، ومهلك عاد [19] وإرم [20] . أدرك كلّ سرّ علمه، ووسع كلّ مصرّ [21] حلمه. وعمّ
(1) شدته ومشقته والأصل فيه الأرض الوعثاء وهي ذات الرمل الرخو الذي يشق المشي فيه.
(2) بالخبر المأثور في غسل الجمعة وهو ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي عليه السلام أنه قال من اغتسل يوم الجمعة أخرجه الله من ذنوبه ثم قيل له استأنف العمل.
(3) هي البدنة من الإبل وفيه إشارة إلى حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام قال من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة الحديث.
(4) أي سبقت في الجماعة وأصل الحلبة خيل تخرج للسباق ويقال للسباق منها المجلي.
(5) أراد موضع الجلوس وأصله وسط الدائرة.
(6) أي زمرا وجماعات.
(7) امتلأ وضاق.
(8) أي بجمعه.
(9) أي حضر.
(10) يكون ذلك وسط النهار وهو وقت الظهر.
(11) أي متبخترا متمايلا.
(12) جماعته.
(13) أي الخطبة.
(14) أي انتصب قائما.
(15) هي أعلى المنبر وذروة كل شيء أعلاه.
(16) النعم.
(17) أي لقطع الشدّة.
(18) أي معيد العظام البالية.
(19) قوم هود.
(20) هو أبو عاد وقيل اسم بلدهم أو قبيلة منهم.
(21) هو من يدوم على المعصية مع العزم على فعلها.