حكى الحارث بن همّام، قال: كنت أخذت عن أولي التّجاريب، أنّ السّفر مرآة الأعاجيب، فلم أزل أجوب كلّ تنوفة [1] ، وأقتحم [2] كلّ مخوفة [3] ، حتّى اجتلبت [4] كلّ أطروفة [5] . فمن أحسن ما لمحته، وأغرب ما استملحته [6] ، أن حضرت قاضي الرّملة [7] ، وكان من أرباب الدّولة والصّولة، وقد ترافع إليه بال في بال [8] ، وذات جمال في أسمال [9] . فهمّ الشّيخ بالكلام، وتبيان المرام [10] ، فمنعته الفتاة من الإفصاح، وخسأته [11] عن النّباح [12] ، ثمّ نضت عنها فضلة الوشاح [13] ، وأنشدت بلسان السّليطة [14] الوقاح [15] :
(1) أي أقطع كل مفازة قال الشاعر:
بظهر تنوفة للريح فيها ... نسيم لا يروع الترب واني
(2) أي أدخل من غير مبالاة.
(3) أي ما يخاف منها.
(4) أي نظرت وشاهدت.
(5) هي ما يطرف به مما يستحسن من الحديث اللطيف.
(6) أي عددته مليحا.
(7) بلد معروف بالشام وقسم الشام خمسة أقسام منها قسم فلسطين ومدينته العظمى الرملة ويتبعها أربعة الآف ضيعة ومن مدن فلسطين ايليا مدينة بيت المقدس بينها وبين الرملة ثمانية عشر ميلا وقال ابن ظفر عشرون فرسخا.
(8) أي شيخ فإن في ثوب خلق.
(9) جمع سمل وهو الثوب الخلق.
(10) أي إظهار المطلوب والإفصاح عنه.
(11) خسأ الكلب طرده فخسأ.
(12) هو للكلب والمراد الصياح.
(13) أي أزالت عن وجهها ما عليه من الغطاء.
(14) من السلاطة وهي عدم المبالاة في القول.
(15) من الوقاحة وهي عدم الحياء.