حكى الحارث بن همّام، قال: حبّب إليّ مذ سعت قدمي، ونفث قلمي [1] ، أن أتّخذ الأدب شرعة [2] ، والاقتباس [3] منه نجعة [4] . فكنت أنقّب [5] عن أخباره، وخزنة أسراره [6] . فإذا ألفيت منهم بغية الملتمس [7] ، وجذوة المقتبس [8] ، شددت يدي بغرزه [9] ، واستنزلت منه زكاة كنزه [10] . على أنّي لم ألق كالسّروجيّ في غزارة السّحب [11] ، ووضع الهناء [12] مواضع النّقب [13] ، إلّا أنّه كان أسير من
(1) كناية عن تعلمه الكتابة والخط أو عن جري قلم التكليف وقيل أراد بذلك وقت البلوغ وهو الوقت الذي يقوى فيه على المشي في الأسفار وهذا المعنى يقرب من سابقه لأنه إذا بلغ جرى عليه قلم التكليف.
(2) أي طريقة وعادة وأصلها الطريقة إلى الماء.
(3) أي الاستفادة.
(4) أي منتجعا ومطلبا والأصل طلب الكلأ.
(5) أي أبحث وأتفحص.
(6) الخزنة بالتحريك جمع الخازن أي أهل المعرفة بنكاته ودقائقه.
(7) أي طلبة الطالب وحاجته.
(8) كناية عمن يؤخذ عنه الأدب والجذوة مثلثة الجيم شعلة من النار والمقتبس طالب القبس وهو النار.
(9) الغرز للبعير بمنزلة الركاب للفرس أي تمسكت بركابه وهو مثل يضرب في الحث على التمسك بالشيء ولزومه فيقال اشدد يدك بغرزه.
(10) أي تطلبت منه زكاة ماله والمراد الاستفادة منه.
(11) السحب جمع سحابة وكنى به عن كثرة العلم.
(12) بكسر الهاء القطران.
(13) النّقب جمع نقبة (كذا في الأصل) وهي أول ما يبدو من الجرب كناية عن كونه خبيرا بأوضاع الأدب وأصله نصف بيت وهو يضع الهناء مواضع النقب ثم ضرب به المثل وأطلق على من يحسن الصنعة ويضع الأشياء مواضعها.