فأشار من إشارته حكم، وطاعته غنم إلى أن أنشىء مقامات أتلو فيها تلو البديع، وإن لم يدرك الظالع شأو الضليع، هكذا وجدته في عدة تواريخ. ثم رأيت في بعض شهور سنة ست وثمانين وستمائة بالقاهرة المحروسة، نسخة مقامات، وجميعها بخط مصنفها الحريري. وقد كتب أيضا بخطه على ظهرها، أنه صنفها للوزير جلال الدين، عميد الدولة أبي الحسن علي بن أبي العز بن صدقة، وزير
المسترشد أيضا، ولا شك أن هذا أصح من الرواية الأولى، لكونه بخط المصنف.
والله أعلم.
وتوفي الوزير المذكور في رجب سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، فهذا كان مستنده في نسبته إلى أبي زيد السروجي. وذكر القاضي الأكرم كمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف الشيباني القفطي، وزير حلب في كتابه الذي سماه:
أنباء الرواة على أنباه النحاة، أن أبا زيد المذكور اسمه المطهر بن سلار. وكان بصريا نحويا لغويا. وصحب الحريري واشتغل عليه بالبصرة، وتخرج به. وروى عنه القاضي أبو الفتح محمد بن أحمد بن منداري، ملحة الاعراب للحريري وذكر أنه سمعها منه عن الحريري. وقال: قدم علينا واسط في سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، فسمعتها منه، وتوجه منها مصعدا إلى بغداد، فوصلها وأقام بها مدة يسيرة، وتوفي بها، رحمه الله تعالى. كذا ذكره السمعاني في الذيل والعماد في الخريدة، وقال لقبه: فخر الدين، وتولى صدرية المشان، ومات بها بعد عام أربعين وخمسمائة. وأما تسمية الراوي لها بالحارث بن همام، فإنما عنى به نفسه. هكذا وقفت عليه في بعض شروح المقامات، وهو مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه وسلم: كلكم حارث وكلكم همام، فالحارث الكاسب، والهمام الكثير الاهتمام:
وما من شخص إلّا وهو حارث وهمام، لأن كل واحد كاسب ومهتم بأموره. وقد اعتنى بشرحها خلق كثير، فمنهم من طوّل، ومنهم من اختصر. ورأيت في بعض المجاميع، أن الحريري لما عمل المقامات، كان قد عملها أربعين مقامة، وحملها من البصرة إلى بغداد وأبداها، فلم يصدقه في ذلك جماعة من أدباء بغداد، وقالوا:
إنها ليست من تصانيفه، بل هي لرجل مغربي من أهل البلاغة، مات بالبصرة، ووقعت أوراقه إليه، فادّعاها. فاستدعاه الوزير إلى الديوان، وسأله عن صناعته، فقال: أنا رجل منشىء، فاقترح عليه إنشاء رسالة في واقعة عينها، فأخذ الدواة والورقة وانفرد في ناحية من الديوان، ومكث زمانا كثيرا، فلم يفتح الله عليه بشيء من ذلك. فقام وهو خجلان، وكان في جملة من أنكر دعواه في عملها أبو القاسم علي بن أفلح الشاعر، فلما لم يعمل الحريري الرسالة التي اقترحها عليه الوزير، أنشد هذين البيتين، وقيل إنهما لأبي محمد بن أحمد، المعروف بابن جكيتا
الحريمي البغدادي الشاعر، وهما: