إنها ليست من تصانيفه، بل هي لرجل مغربي من أهل البلاغة، مات بالبصرة، ووقعت أوراقه إليه، فادّعاها. فاستدعاه الوزير إلى الديوان، وسأله عن صناعته، فقال: أنا رجل منشىء، فاقترح عليه إنشاء رسالة في واقعة عينها، فأخذ الدواة والورقة وانفرد في ناحية من الديوان، ومكث زمانا كثيرا، فلم يفتح الله عليه بشيء من ذلك. فقام وهو خجلان، وكان في جملة من أنكر دعواه في عملها أبو القاسم علي بن أفلح الشاعر، فلما لم يعمل الحريري الرسالة التي اقترحها عليه الوزير، أنشد هذين البيتين، وقيل إنهما لأبي محمد بن أحمد، المعروف بابن جكيتا
الحريمي البغدادي الشاعر، وهما:
شيخ لنا من ربيعة الفرس ... ينتف عثنونه من الهوس
أنطقه الله بالمشان كما ... رماه وسط الديوان بالخرس
وكان الحريري يزعم أنه من ربيعة الفرس. وكان مولعا بنتف لحيته عند الفكرة. وكان يسكن في مشان البصرة. فلما رجع إلى بلده، عمل عشر مقامات أخر وسيرهنّ، واعتذر من عيّه وحصره في الديوان بما لحقه من المهابة.
وللحريري تآليف حسان، منها: درّة الغوّاص في أوهام الخواص، ومنها: ملحة الإعراب المنظومة في النحو، وله أيضا شرحها. وله ديوان رسائل وشعر كثير، غير شعره الذي في المقامات. فمن ذلك قوله، وهو معنى حسن:
قال العواذل ما هذا الغرام به ... أما ترى الشعر في خديه قد نبتا
فقلت والله لو أن المفند لي ... تأمل الرشد في عينيه ما ثبتا
ومن أقام بأرض وهي مجدبة ... فكيف يرحل عنها والربيع أتى
ومنه ما ذكره عماد الدين الأصبهاني في كتاب الخريدة:
كم ظباء بحاجر ... فتنت بالمحاجر
ونفوس نفائس ... حدرت بالمحادر
وتثنّ لخاطر ... هاج وجدا لخاطر
وعذار لأجله ... عاذلي عاد عاذري
وشجون تضافرت ... عند كشف الضفائر
وله قصائد استعمل فيها التجنيس كثيرا. ويحكى أنه كان دميما، قبيح المنظر. فجاءه شخص غريب يزوره ويأخذ عنه شيئا، فلما رآه استزرى شكله، ففهم الحريري ذلك منه. فلما التمس منه أن يملي عليه، قال له اكتب:
ما أنت أول سار غرّه قمر ... ورائد أعجبته خضرة الدمن
فاختر لنفسك غيري إنني رجل ... مثل المعيديّ فاسمع بي ولا ترني
فخجل الرجل منه، وانصرف. وكانت ولادة الحريري في سنة ست وأربعين
وأربعمائة. وتوفي سنة عشر. وقيل خمس أو ست عشرة وخمسمائة بالبصرة، في سكة بني حرام، وخلف ولدين. قال أبو منصور الجواليقي: أجازني المقامات نجم الدين عبد الله، وقاضي قضاة البصرة ضياء الدين عبيد الله عن أبيهما، منشئها ونسبته بالحرامي إلى هذه السكة. رحمه الله تعالى. وهي بفتح الحاء المهملة والراء، وبعد الألف ميم. وبنو حرام قبيلة من العرب، سكنوا في هذه السكة، فنسبت إليهم. والحريري نسبة إلى الحرير، وعمله أو بيعه. والمشان بفتح الميم والشين، وبعد الألف نون بليدة، بعد البصرة كثيرة النخل، موصوفة بشدة الوخم.