الكنيف [1] . فلمّا شهدت موسمه [2] وشاهدت ميسمه [3] ، رأيت شيخا هيئته نظيفة،
(1) محل قضاء الحاجة وله عدة أسماء قد ذكر بعضها في حكاية لطيفة وهي: أن رجلا كوفيا وفد على ابن عم له بالمدينة، فأقام عنده عاما لا يدخل كنيفا. وكان لصاحب المنزل، جاريتان مغنيتان، فقال لهما سيدهما: أرأيتما ابن عمي ولطفه، أقام عندنا عاما ما رأيناه يدخل الخلاء.
فقالتا له: علينا أن نصنع له شيئا، لا يجد معه بدّا من دخوله إلى الخلاء. فقال: شأنكما وإياه.
فعمدتا إلى مسهل وطرحتاه في شرابه. فلما حضر وقت شرابهما قرّبتاه له، وسقتا مولاهما من غيره. فعمل المسهل عمله، وأحس الفتى. وكان قد أخذ منهما الشراب فتناوم مولاهما، فقال ابن عمه لإحدى الجاريتين: يا سيدتي أين الخلاء؟ فقالت لها صاحبتها: ما يقول لك؟ فقالت:
يسألك أن تغنيه:
خلا من آل فاطمة الجواء ... فمنزل أهلها منه خلاء
فغنته. فقال الفتى في نفسه: أظنهما كوفيتين فقال للأخرى: يا سيدتي أين الحش؟
فقالت لها صاحبتها: ما يقول فقالت: يسألك أن تغنيه «لقد أوحش الديار فالدير موحش» فغنته فقال: أظنهما عراقيتين وما فهمتا مني. فقال للأخرى: يا سيدتي أين المتوضأ؟ فقالت صاحبتها: ما يقول؟ قالت: يسألك أن تغنيه:
توضأ للصلاة وصل خمسا ... وآذن بالصلاة على النبي
فقال: أظنهما حجازيتين وما فهما. فقال للأخرى: أين الكنيف؟ فقالت لها صاحبتها:
ما يقول لك؟ قالت: يسألك أن تغنيه:
تكنفني الواشون من كل جانب ... ولو كان واش واحد لكفاني
فقال: أظنهما مكيتين، فقال: يا سيدتي أين المرحاض؟ فقالت لها صاحبتها: ما يقول لك؟ فقالت: يسألك أن تغنيه:
من مجيري من العيون المراض ... فهي أنكى للصب من مرحاض
فغنته. فقال: أظنهما تهاميتين، فقال: يا سيدتي أين المستراح؟ فقالت لها صاحبتها:
ما يقول لك؟ فقالت: يسألك أن تغنيه:
ترك الفكاهة والمزاحا ... وقلى الصبابة فاستراحا
فغنته ومولاهما يسمع ذلك كله. فلما حزبه الأمر أنشأ يقول:
تكنفني الملاح وأضجروني ... على ما بي بتكرير الأغاني
فلما ضاق عن أمري اصطباري ... ذرقت به على وجه الزواني
ثم حلّ سراويله وسلح عليهما فتركهما آية للناظرين فلما رأى مولاهما ذلك قال يا أخي ما حملك على هذا قال له يا ابن الفاعلة جواريك يرين المخرج مستقيما فلا يدللنني عليه فلم يكن لهنّ جزاء عندي غير هذا انتهى ومعنى ما قاله الحريري لا بأس بالإنسان أن يأتي المواضع الخسيسة عند الضرورة.
(2) مكانه ومجمعه.
(3) منظره.