وهذا التسلسل ممتنع لذاته -كما مر -"فإنه إذا لم يخلق شيئًا أصلًا حتى يخلق قبل ذلك شيئًا آخر،كان هذا ممتنعًا لذاته،فكان وجود مخلوق قبل أن يوجد مخلوق أصلًا فيه جمع بين النقيضين بخلاف ما إذا قيل: إنه لا يخلق مخلوقًا معينًا حتى يخلق مخلوقًا معينًا؛ فإن هذا ليس بممتنع؛كما أنه لا يخلق المولود من غيره حتى يخلق الولد).فهذا هو التسلسل في العلل الفاعلة وهو ممتنع كما تقدم."
3 -التسلسل في الأفعال ويكون:
بأن يرتب الفاعل فعله الأول على فعله الآخر إلى ما لا نهاية وأما الفعل فلا تأثير
له بذاته في ذات غيره من الأفعال والمراد به هنا ما دل عليه العقل والشرع من
دوام أفعال الرب تعالى في الأبد والأزل بأنه ما زال ولا يزال موصوفًا بالفعل فلم تحدث له أفعال بعد أن لم يكن فاعلًا بل هو فاعل أبدًا وأزلًا وهذا النوع من التسلسل واجب (1) ، والشرع والعقل قد دلا على إثباته وصحته ووقوعه وسيأتي ذلك في مبحث خاص إن شاء الله.
4 -التسلسل في الآثار:
وهذا هو موضوع البحث وسيأتي في المبحث الثاني.
والخلاصة أن التسلسل ثلاثة أقسام:
1 -تسلسل ممتنع كما سبق.
2 -تسلسل واجب وهو التسلسل في أفعال الله.
3 -تسلسل جائز أو ممكن وهو التسلسل في الأعيان والمخلوقات فهذا جائز أو ممكن وهذا هو الذي يقوله شيخ الإسلام،فلا يقطع ولا يجزم بتسلسل المخلوقات لأننا لا نعلم إلا ما أخبرنا الله به من السماوات والأرض والقلم والعرش وغيرها، أما ما لم يخبرنا به فلا علم لنا ولهذا لا نجزم بتسلسل المخلوقات بل نقول أنه ممكن وجائز،أما تسلسل أفعال الرب فلا شك أنه واجب لا يتصور عدمه ولم يأت يوم وكان معطلًا سبحانه وتعالى.
وإذا أطلق التسلسل انصرف للتسلسل في المؤثرين كما في قولهم: والتسلسل باطل.
(1) الواجب هو: ما لا يتصور في العقل عدمه، والجائر أو الممكن: وهو ما يصلح في نظر العقل وجوده وعدمه على السواء، انظر حاشية الدرة المضية لابن قاسم ص15.
وفي ختام هذا المبحث أنقل ما قاله الإمام ابن القيم في كتابه شفاء العليل (2/ 446) حيث بين في هذا النص عدة مسائل منها: مسألة التكوين الذي قال به الحنفية وسيأتي أيضًا في المبحث الأخير من هذا الكتاب،
ومنها التسلسل الواجب والممكن وهو المهم هنا فقال رحمه الله:
قال القدري: فالآن حمي الوطيس، فأنت والمسلمون وسائر الخلق تسمونه تعالى خالقًا ورازقًا ومميتًا، والخلق والرزق والموت قائم بالمخلوق والمرزوق والميت، إذ لو قام ذلك بالرب سبحانه فالخلق إما قديم وإما حادث، فإن كان قديمًا لزم قدم المخلوق، لأنه نسبة بين الخالق والمخلوق، ويلزم من كونها قديمة قدم المصحح لها، وإن كان حادثًا لزم قيام الحوادث به وافتقر ذلك الخلق إلى خلق آخر ولزم التسلسل، فثبت أن الخلق غير قائم به سبحانه، وقد اشتق له منه اسم.
قال السني: أي لازم من هذه اللوازم التزمه المرء كان خيرًا من أن ينفي صفة الخالقية عن الرب سبحانه، فإن حقيقة هذا القول أنه غير خالق، فإن إثبات خالق بلا خلق؛ إثبات اسم لا معنى له، وهو كإثبات سميع لا سمع له، وبصير لا بصر له، ومتكلم وقادر لا كلام له ولا قدرة، فتعطيل الرب سبحانه عن فعله القائم به كتعطيله عن صفاته القائمة به،
والتعطيل أنواع:
تعطيل المصنوع عن الصانع، وهو تعطيل الدهرية والزنادقة.
وتعطيل الصانع عن صفات كماله ونعوت جلاله، وهو تعطيل الجهمية نفاة الصفات.
وتعطيله عن أفعاله وهو أيضًا تعطيل الجهمية وهم أساسه ودب فيمن عداهم من الطوائف فقالوا: لا يقوم بذاته فعل، لأن الفعل حادث، وليس محلا للحوادث، كما قال إخوانهم: لا تقوم بذاته صفة، لأن الصفة عرض، وليس محلًا للأعراض، فلو التزم الملتزم أي قول التزمه كان خيرًا من تعطيل صفات الرب وأفعاله، فالمشبهة ضلالهم وبدعتهم خير من المعطلة، ومعطلة الصفات خير من معطلة الذات، وإن كان التعطيلان متلازمين لاستحالة وجود ذات قائمة بنفسها لا توصف بصفة.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)