إن المقارنة الصحيحة ـ من حيث المخاطرة ـ ينبغي أن تشمل كل المدى الزمني الذي يعيشه المشروع. فمشروع الإجارة يبدأ عند شراء العين لتأجيرها. فهو إذن يتضمن من مخاطر التملك، وضمان العين المملوكة، وتحمل مخاطر القرار الاستثماري السوقية، والتكنولوجية، ما يجعل معيار العدالة التبادلية متوافرًا بتمامه عند مبادلة ثمرة مشروع الإجارة ـ وهي منافع العين المؤجرة ـ بعوضها، أي الأجرة، التي تحددها عوامل السوق بشروطها لمعروفة. أي أن المؤجر، عند عقد الإجارة، يكون قد تحمل كل أعباء المخاطر المعلقة بمشروعه الاستثماري، وهي ذات نوع المخاطر التي يتحملها الشريك في مشروع الشركة التي يساهم فيها.
ولا ينكر أن المشروعات تتفاوت، فيما بينها، من حيث المخاطرة، فالمخاطرة في مشروع زراعي مثلًا تختلف عن المخاطرة في مشروع تملك عقار وتأجيره، والمخاطرة في تجارة العقارات تختلف عن المخاطرة في تجارة السلع الصناعية كالملابس، أو تجارة السلع الزراعية السريعة الفساد كالخضروات. وأسعار السوق تتضمن في العادة نصيبًا من الربح يقابل المخاطرة، فكلما زادت المخاطرة في مشروع كانت أرباحه أكثر ارتفاعًا في الأحوال العادية.
ولكن شكل العقد، بين المشاركة والإجارة، ليس عاملًا في تحديد مقدار المخاطرة التي يتحملها صاحب المشروع، والربح يكون على المشروع وليس على العقد. لذلك لا نرى مبررًا للحديث عن اعتبار المشاركة أفضل من الإجارة، من حيث المخاطرة، وبخاصة أن هذا التمييز قد يقصد منه أحيانًا اعتبار الإجارة قريبة من الربا الذي تنعدم فيه المخاطرة. فالعائد في الربا هو زيادة على مال انشغلت به الذمة، في حين أن الأجرة في الإجارة هي ثمن منفعة العين المؤجرة، وهذه المنفعة هي الثمرة النهائية لمشروع استثماري مادي حقيقي، يبدأ من شراء العين وينتهي عند قطف ثمارها بالتأجير.
14 -حق الشفعة
يقول بعض المذاهب بحق الشفعة للشريك. والأصل في الشفعة أنها في العقار، وما يلحق به. وعند من يقول بالشفعة في الشركة، حتى في غير العقار، فإن الشفعة تسقط بالتسليم وترك المخاصمة عند بعضهم، وتسقط عند الجميع بالشرط، أي إذا تم التصريح في عقد الإجارة نفسه، أو في صكوك التأجير، بأن جميع الشركاء في الملك يتنازلون عن حقهم في الشفعة.
لذلك نرى أن مثل هذا النص في العقد يقطع الخلاف، ويسمح بتداول السند، وبيعه لأي مشتر دون الوقوع في خلاف الفقهاء. وبخاصة أن مجمع الفقه الإسلامي قال بجواز بيع الأسهم ولم يقيد ذلك بحق شفعة لمالك أسهم أخرى.
تحويل الإجارة إلى صكوك
تقوم فكرة صكوك التأجير على تحويل التمويل بالإجارة إلى شكل سندات تمويلية أو ما يسمى Securitization of Lease. ويمكن تعريف التحويل إلى سندات Securitization بأنه"وضع موجودات دارّة للدخل، كضمان، أو أساس، مقابل إصدار صكوك، تعتبر هي ذاتها أصولًا مالية." ( [48] )
وعملية التحويل إلى سندات عملية عامة لا تتحدد فقط بالإجارة، فأي مجموعة من الموجودات يمكن وضعها أساسًا لإصدار صكوك مالية. ويمكن لهذه الموجودات أن تكون أصولًا عينية، كمصنع يصدر مالكه صكوكًا، أو أسهمًا، أو سندات بقيمته. أو تكون مجموعة من الأصول العينية، والنقدية، والديون في الذمة، والمنافع، تُجمع بعضها مع بعض، وتصدر بها صكوك تمثل ملكيتها. وعندئذ، لا بد لجواز تداول هذه السندات، من وجهة نظر الشريعة الإسلامية، من توفر شرط غلبة الأعيان والمنافع، كما بينت ذلك فتوى مجمع الفقه الإسلامي بقراره رقم 5 في مؤتمره الرابع بالمنعقد بجدة من 18 إلى 23 جمادى الآخرة 1418هـ (6 ـ 11/ 2 / 1988م) .
والذي يهمنا من هذه الفتوى ـ فيما يتعلق بفكرة صكوك التأجيرـ هو الأعيان (الأصول العينية) المعمرة والأعيان التي لا تستهلك باستيفاء منافعها.
فإذا كانت هذه الأعيان المعمرة مؤجرة، فإنها تدر دخلًا هو الأجرة محسومًا منها ما يقع على عاتق المؤجر من أعباء ونفقات. وبالتالي فإن هذه الأعيان يمكن تمثيلها بصكوك، أي تحويلها إلى صيغة الأصول المالية، عن طريق إصدار صكوك، هي عبارة عن شهادات ملكية لهذه الأعيان المؤجرة. وهذه الصكوك يمكن تداولها حسب الفتوى المذكورة.
صور صكوك التأجير
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)