وسئل الفقيه أبو بكر الأعمش عمن لا يحسن الدعوى إذا أمر الحاكم رجلًا حتى علمه كيف يدعي، ثم شهد هذا المعلم على ذلك الدعوى، قال: لا بأس على الحاكم فيما فعل، ولا يصير المعلم بهذا التعليم مطعونًا وشهادته جائزة إذا كان عدلًا.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد رحمهما الله: في رجل أشهدني أن لفلان عليه ألف درهم ثم قضاه خمسمئة، ثم جاء المشهود له يسألني الشهادة وله شاهد آخر يشهد على الألف، قال: لا يشهد له إلا بخمسمئة، وهذا لأنه لو شهد له بالألف مع الشاهد الآخر تثبت الألف بشهادتهما، وبقوله وحده لا يثبت قضاء الخمسمئة، فيكون هو بالشهادة بالألف مسلطًا القاضي على القضاء بالألف، مع علمه أنه ليس له عليه إلا خمسمئة وأنه لا يجوز، فإن كره المشهود له ذلك فليقر عند القاضي بما قبض، ثم يشهد عليه بألف، قضاه منه خمسمئة ليكون مؤديًا ما عليه من الشهادة، ولا يكون بشهادة مسلطًا القاضي على القضاء عليه بما ليس عليه؛ لأنه قد برئ عن الخمسمئة بإقرار الطالب فلا حاجة إلى إثباته بالبينة.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد: في شاهدين شهدا أن فلانًا أشهدنا أنه جعل لابنه فلان * وقد عرفنا الابن يومئذ بعينه ونسبه * هذا العبد منه، والابن يومئذ في عياله وذلك منذ زمن طويل، ونحن لا نعرفه في هذه الساعة لم تجز شهادتهما، وكذلك لو شهدا أن لهذا الرجل على فلان بن فلان ألف درهم، ونحن عرفنا فلانًا يوم أشهدنا عليه بعينه ونسبه، ولكن لو رأيناه الساعة لا نعرفه لم تجز شهادتهما.
إذا شهد أحد الشاهدين على الكفالة بهذا اللفظ كوالي سيدهم كر فلان حنين كفت كم أكر فلان سرماه وأحال فلان يد مد من ضمان كروم من أين مال، أو شهد آخر: كم فلان حنين كنت كم من أين مال ضمان كردم أن فلان من فلان رأتا سرماه، لا تقبل هذه الشهادة لأن أحدهما شهد بضمان منجز، والآخر شهد بضمان معلق بينهما مغايرة فيمنع قبول الشهادة.
وإذا شهد رجل وامرأتان أنه قتل ابنه عمدًا جازت شهادتهما.
ولو شهد رجل وامرأتان أن فلانة قتلت زوجها عمدًا ولها منه ابن وله ورثة غير الابن لا يقبل الشهادة.
والفرق: أن قتل الأب ابنه لا يوجب القصاص بحال وإنما يوجب المال، وشهادة النساء مع الرجال حجة في باب المال، أما قتل المرأة زوجها يوجب القصاص، ثم يسقط بعد ذلك إذا صار ميراثًا لابنها، ألا ترى أنه يتصور استيفاء القصاص منها بحال بأن يموت الابن بعد الجراحة أولًا، ثم يموت الأب من الجراحة، فإن في تلك الصورة بقتل المرأة لزوجها، وإذا تصور استيفاء القصاص بهذا القتل بحال، كان هذا القتل موجبًا القصاص من الابتداء، وشهادة النساء ليس بحجة في القصاص.
ولو شهدوا على رجلين أنهما اشتركا في قتل ابن أحدهما قبلت شهادتهم، لأن هذا القتل لا يوجب القصاص بحال، فكان موجبًا الدية من الابتداء، فكانت شهادتهما على المال.