[الشرح] أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ إِنْكَارَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لِتَرْجِيحِ الْقِيَاسِ عَلَى الْخَبَرِ، بَلْ إِنْكَارُهُ لِاسْتِبْعَادِهِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ لِظُهُورِ الْأَمْرِ عَلَى خِلَافِهِ.
وَكَذَلِكَ إِنْكَارُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ خَبَرَهُ. وَلِذَلِكَ قَالَا:"كَيْفَ نَصْنَعُ بِالْمِهْرَاسِ"، وَهُوَ الْحَجَرُ الْعَظِيمُ الَّذِي يُصَبُّ فِيهِ الْمَاءُ لِأَجْلِ الْوُضُوءِ.
[الْوَجْهُ] الثَّانِي أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ سَأَلَهُ، فَقَالَ: بِمَ تَقْضِي يَا مُعَاذُ؟ فَقَالَ: بِالْكِتَابِ. قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ:"فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِيهِ؟"قَالَ: بِالسُّنَّةِ. قَالَ:"فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِيهَا؟"قَالَ: أَجْتَهِدُ بِرَأْيِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يَرْضَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ".
فَجَعَلَ مُعَاذٌ الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ مَشْرُوطًا بِفَقْدِ الْحُكْمِ فِي السُّنَّةِ، أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَوَاتِرًا أَوْ آحَادًا، فَأَقَرَّهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ. فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْخَبَرُ مُقَدَّمًا عَلَى الْقِيَاسِ لَمَا أَقَرَّهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَمْ يُحْمَدْ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ.
الثَّالِثُ: لَوْ قُدِّمَ الْقِيَاسُ عَلَى الْخَبَرِ لَزِمَ تَقْدِيمُ الْأَضْعَفِ عَلَى الْأَقْوَى. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ. وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:"وَالثَّانِيَةُ إِجْمَاعٌ".