قوله: (الباقي) أي الدائم الذي لا يزول ولا يحول.
قوله: (الوارث) أي الباقي بعد فناء خلقه، أو الذي يرجع إليه كل شيء، قال تعالى:
{إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ}
[مريم: 40]
{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}
[القصص: 88]
{أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ}
[الشورى: 53] .
قوله: (الرشيد) أي صاحب الرشد، وهو الذي يضع الشيء في محله، أو خالق الرشد في عباده، فيرجع لمعنى الهادي.
قوله: (الصبور) أي الذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه، فيرجع لمعنى الحليم، والله أعلم بحقيقة معاني أسمائه وأسرارها.
قوله: (رواه الترمذي) أي عن أبي هريره، وأعلم أن للعارفين في استعمال هذه الأسماء طرقًا، فمنهم من يستعملها نثرًا، ومنهم من يستعملها نظمًا، كالشيخ الدمياطي، وسيدي مصطفى البكري، وغيرهما، وأجل ما تلقيناه، منظومة أستاذنا بركة الوقت والزمان، وإمام العصر والأوان، القطب الشهير والشهاب المنير، أبو البركات، مهبط الرحمات، الذي عم فضله الكبير والصغير، شيخنا الشيخ أحمد بن محمد الدردير، فإنها عديمة النظير، لاحتوائها على الدعوات الجامعة، والأسرار اللامعة، بمظاهر تلك الأسماء، وهي آخر العلوم الإلهية التي ظهرت على لسانه، وقد ألقيت عليه في ليلة واحدة، فقام من فراشه وكتبها، وكان يقرؤها في كل يوم وليلة ثلاث مرات، فمن أراد الفوز الأكبر، والظفر بالمقصود، من خيري الدنيا والآخرة، فعليه بحفظها والمواظبة عليها، صباحًا ومساء، ومن أراد الاطلاع على بعض معانيها وفوائدها، فعليه بشرحنا عليها، فإن فيه النفع التام إن شاء الله تعالى.
قوله: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ} سبب نزولها كما قال ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مختفيًا بمكة، وكان إذا صلى بأصحابه، رفع صوته بالقرآن، فإذا سمعه المشركون، سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله لنبيه {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ} أي بقراءتك، ولا تخافت بها عن أصحابك فلا تسمعهم، وابتغ بين ذلك سبيلًا، وهذا الأمر قد زال من يوم إسلام عمر والحمزة فهو منسوخ، فللمصلي الجهر في الصلاة الجهرية، ولا يزيد على سماع المأمومين، وقيل نزلت في الدعاء، وروي ذلك عن عائشة وجماعة، ومثل الدعاء سائر الأذكار، فلا يجهر بها، ولا يخافت بها، بل يكون بين ذلك قوامًا، وعلى هذا القول فالآية غير منسوخة، بل العمل بها، مستمر.
قوله: {وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} المخافتة عدم رفع الصوت، يقال خفت الصوت إذا سكن.
قوله: (لينتفع أصحابك) علة للنهي عن المخافتة.
قوله: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} أي لم يكن له ولد لاستحالته عليه.
قوله: (الألوهية) أي لم يكن له مشارك في ألوهيته، إذ لو كان معه مشارك فيها، لما وجد شيء من العالم، قال تعالى:
{لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا}
[الأنبياء: 22] وقال تعالى:
{مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ}