(أجلس) فجلس فأُتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر والعرق المكتل الضخم قال (تصدق به) فقال ما بين لابتيها أحد أفقر منا قال فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه فقال (فخذه فأطعمه أهلك) .
في الباب عن ابن عمر وعائشة وعبد الله بن عمرو، قال أبو عيسى حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، وقد رواه البخاري ومسلم من طرق عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، ورواه هشام بن سعد عن بن شهاب عن أبي سلمه بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم أفطر في رمضان) ، وفيه (وأتي بعرق فيه تمر قدر خمسة عشر صاعًا) ، وقال فيه (كله أنت وأهل بيتك وصم يومًا واستغفر الله) ، رواه أبو داود في سننه، وقد أخطأ هشام بن سعد في أمرين: الأول / قوله (عن ابن شهاب عن أبي سلمه) والحفاظ متفقون على روايته عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن، وذكر أبي سلمه غلط، والغلط من هشام.
الخطأ الثاني/ قوله (وصم يومًا) فهذه الزيادة شاذة، وقد روى الخبر نحو من أربعين نفسًا عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، ولم يذكر واحد منهم وصم يومًا، يحكم على هذه الرواية بالشذوذ لأن هشام بن سعد خالف بذلك من هو أوثق منه وأكبر قدرًا وأقوى حفظًا، وقد ذهب الجمهور إلى أنه يقضي يومًا مكان ما أفطر فيه، لأن الشهر إما أن يكون ثلاثين وإما يكون تسعًا وعشرين، فإذا أفطر يومًا وجب عليه قضاؤه لإنه متعلق بالذمة فلا يسقط الصيام عن أحد إلا من لم يطق ولم يستطع الصيام.
قوله (أتاه رجل) وفي رواية (بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه رجل) ولم يثبت في حديث تسمية هذا الرجل وقد جزم جماعة بأنه سلمه بن صخر البياضي وهذا غير ثابت وليس في معرفة اسم الرجل كبير فائدة.
قوله (فقال يا رسول الله) فيه الأدب في الخطاب وفيه التأدب مع أهل العلم.
قوله (هلكت) وقد جاء في حديث عائشة (احترقت) ظاهر هذا أنه كان متعمدًا ولم يكن ناسيًا ولا جاهلًا فإن الكفارة في الجماع لا تثبت إلا على المتعمد والعالم، أن يكون قاصدًا للفعل وأن يكون عالمًا بالحكم وليس بلازم أن يعلم العقوبة، وأهل العلم يفرقون بين الجهل بالحكم وبين الجهل بالعقوبة، فلو أن امرئ محصنًا زنا وأدعى أنه جاهل بعقوبة الزاني وأنه الرجم فإن هذا لا يقبل عذره ما دام أنه يعلم الحكم الشرعي.
كذلك لو أن شخصًا سرق بما يوجب قطع اليد فأدعى فيما بعد أنه عالم بحرمة السرقة ولكن ما علم أن هناك قطعًا، لا يعذر بذلك، فإن الجهل بالحكم يختلف عن الجهل بالعقوبة مثل ذلك لو أن رجلًا قتل متعمدًا قال أنا قتلت متعمدًا ولست بجاهل بهذا الباب ولكن ظننت أن القاتل لا يقتل يعزر أو يسجن فلا يقبل قوله، أهل العلم يفرقون بين الجهل بالحكم والجهل بالعقوبة، فمن جامع في نهار رمضان وتبين فيما بعد أنه جاهل بالحكم يظنه حلالًا إذا لم ينزل مثلًا وإذا أنزل لزمته الكفارة فبالتالي كان يجامع ولا ينزل خشية أن تلزمه الكفارة فحينئذ يعذر في أصح قولي العلماء.
أخر يجامع في نهار رمضان ويقول أنا أعلم أنه حرام ولكن ظننت أنه يقضي يومًا مكانه ما علمت أن هناك عقوبة مغلظة أُعتق رقبة فإن لم أستطع أصوم شهرين متتابعين إن لم استطع أطعم ستين مسكينًا فهذا لا يعذر لأنه جهل العقوبة ولم يجهل الحكم.
قوله (قال وما أهلكك) فيه الاستفصال من السائل فحين قال الرجل هلكت سأله النبي صلى الله عليه وسلم (وما أهلكك) ، أي ما هو سبب هلاكك، احتمال أنه يظنه هلاكًا وليس بهلاك، فقال وقعت على امرأتي في رمضان، وقد أجمع العلماء على تحريم الجماع في نهار رمضان ومن فعل ذلك عالمًا متعمدًا لزمته الكفارة، ومن فعل ذلك جاهلًا بالحكم أو ناسيًا فلا شيء عليه في أصح قولي العلماء، وهذا مذهب الحسن البصري ومجاهد ورواية عن الإمام أحمد، وقال آخرون لا يُنسى الجماع في نهار رمضان، فمن جامع في نهار رمضان لزمته الكفارة، واستدل هؤلاء بأمرين:
الأمر الأول / أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل من السائل هل كان جاهلًا، هل كان متعمدًا، قالوا أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.
الدليل الثاني / أن الجماع لا يُنسى قد يشرب الشربة يأكل الأكلة يكون ناسيا لكنه يجامع ويعتذر بالنسيان فلا يقبل قوله.
والجواب عن الدليل الأول / بأنه جاء في الحديث قرينة بأنه عالمًا متعمدا فلم يكن فيه للسؤال معنى فإن الرجل قال (هلكت) هذه قرينة قوية على أنه كان عالمًا متعمدًا وأن الشهوة قد غلبته، أما دعوى أن الجماع لا ينسى فهذا فيه نظر لأن الافتراض أنه قد ينسى وكونه لا ينسى لا علاقة له بالحكم لأنه إذا ادعى النسيان وكان كاذبًا يستطيع أن لا يسأل أصلًا وبالتالي هو يفطر ولا يبالي لأن الصيام سر بينه