فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 151

وبين الله والكلام فيمن وجد فيه النسيان فإذا وجد النسيان فثم الحكم، ودعوى أنه لا يمكن أن ينسى هذا وإن وجد في فلان أوعلان قد لا يوجد في الثالث ولا في الرابع لأنه قد يذهل يستيقظ من النوم فيغيب عن عقله أنه صائم فيجامع وهذا ملحوظ في أسئلة كثيرة من الناس أنه يجامع ناسيًا ولاسيما في بداية الشهر، والكفارة لا تجب إلا على من جامع عالمًا متعمدًا في شهر رمضان، فلو جامع في صيام واجب في غير رمضان لم يلزمه إلا القضاء فإن الكفارة لحرمة الشهر وليست لمجرد حرمة الصيام بدليل أنه لو جامع في قضاء واجب في شوال لم يجب عليه إلا القضاء ولم تجب عليه الكفارة.

قوله (هل تستطيع أن تعتق رقبة) أي ذكر أو أنثى قال الجمهور يشترط في هذه الرقبة أن تكون مؤمنة قياسًا على الرقبة في الظهار والرقبة في القتل، وخالف في ذلك الإمام أبو حنيفة رحمه الله وقال لا تجب في المؤمنة ولا يحمل المطلق على المقيد إلا إذا اتحد الحكم والسبب وهذه مسألة أصولية خلافية، (متى يحمل المطلق على المقيد) ويؤخذ من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم رتب له الكفارة وقال هل تستطيع أن تعتق رقبة فلم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم اعتق رقبة أو صم أو أطعم فكان هذا دليلًا على أن الكفارة على الترتيب وهذا الصواب من قولي العلماء وهو مذهب الجمهور خلافا لمالك رحمه الله فإنه يرى أن الكفارة على التخيير فله أن يعتق وله أن يصوم وله أن يطعم هو مخير بين هذه الأمور.

وذهب جماعة من العلماء إلى أنه مخير بين العتق والصيام إذا عجز عن هذا أو ذاك صار إلى الإطعام فهذه ثلاث مذاهب في هذه المسألة والأقرب من ذلك أن الكفارة على الترتيب لأن أكثر الرواة يقولون بذلك.

المالكية يقيسون هذه الكفارة على كفارة اليمين فإن الله جلّ وعلا {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} المائدة89، يجاب عن هذا يقال إن قياس كفارة المجامع في نهار رمضان على المظاهر وعلى القاتل ألصق من القياس على كفارة اليمين، وحينئذ يعتبر القياس في هذا الباب عند المالكية ضعيفًا، ويؤخذ من هذا الرفق بالسائل حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم هل تستطيع أن تعتق رقبة، وفي نفس الوقت حين جاء يستفتي وقد وقع في نهار رمضان، لم يعنفه لأنه جاء تائبًا، وقد أخذ من هذا الحديث بعض العلماء إسقاط العقوبات عن العصاة وهذا فيه نظر لأن العقوبة إصلاح ولا إصلاح مع الصلاح لأن هذا الرجل جاء نادمًا تائبًا يبحث عن مخرج لذنبه.

قال (لا) ، أي لا استطيع أن اعتق رقبة لأنه كان فقيرًا, انتقل معه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمر آخر قال: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين، فيه إشارة إلى أن الصيام يشترط فيه التتابع وأنه يصام عن اليوم الواحد شهران متتابعان لا فطر بينهما، وقد جزم الجمهور بأنه لو أفطر يومًا بينهما أعاد، فمنهم من قال إذا أفطر في الشهر الثاني يعيد من بداية الشهر الثاني ومنهم من قال يعيد من بداية الشهر الأول، وقال طائفة من العلماء إن صيام شهرين متتابعين على الوجوب وليس على الشرطية، والأدلة قوية بأن الصيام واجب وأنه يجب في ذلك التتابع لكي ينكل في المستقبل عن فعل الحرام وليكون هذا كفارة له عن ذنبه لأنه قد ارتكب كبيرة من الكبائر لأن الجماع في نهار رمضان من الكبائر، وحين قيل للرجل هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين، قال (لا) أشارة إلى أنه غير مطيق وهذا أمر بينه وبين الله، ولكن حذار حذار من كون الرجل يدعي أنه لا يطيق وهو مطيق أو يعتذر بأعذار غير مسوغة لهذا

وفيه إشارة إلى أن المفتي يفتي بظاهر قول السائل لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل له لماذا لا تطيق وما عذرك وما وما؟ وكَلَهُ النبي صلى الله عليه وسلم إلى ظاهره لأنه جاء مستفتيًا وبإمكانه ألا يستفتي أصلًا لو كان لا يبالي، فحين جاء مستفتيًا، هو ما أتي إلا خوفًا من الله وحبًا في التطهير، الخيار الثالث وهو الأخير قال فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ قال لا، لأن هذا الرجل غير مطيق للصيام وعاجز عن العتق وعن الإطعام قد كان ضعيفًا وفقيرًا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (اجلس فجلس) ، يؤخذ من ذلك الرفق بالمستفتي والرحمة والحلم. ويؤخذ من هذا أنه ليس بلازم للمؤمن أن لا يقع في الذنب. ويؤخذ من هذا وجوب التوبة.

ويؤخذ من هذا أن الذنوب إذا لم يتب منها فإنها مهلكة ومحرقة. ويؤخذ من هذا الرد على المرجئة الذين يقولون لا يضر مع الإيمان ذنب، فهذا الرجل حين أذنب وجاء تائبا في نفس الوقت قال هلكت فهو يبحث عن المخرج. وفيه ما عليه الصحابة رضي الله عنهم من الإقبال على الله والإنابة إليه والتعلق به وفي نفس الوقت ما هم عليه من الخشية والإنابة إلى الله. وفيه حرص الصحابة على السؤال. وفيه أهمية العلماء في المجتمعات وأنهم يرشدون من ضلّ ويهدون من حاد عن الصراط المستقيم. الأمر كما قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: لولا العلماء لكان الناس مثل البهائم. وحين سئل سعيد بن جبير رحمه الله ما هلاك الناس قال موت علمائهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت