فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 151

قوله (فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعَرَقٍ فيه تمر) : فسر العرق بأنه المكتل الضخم، والمكتل هو المعروف بالزنبيل قال فتصدق به أي تبرع به النبي صلى الله عليه وسلم بما يتصدق به، ففيه كرمه صلى الله عليه وسلم، وفيه إعانة المستفتي حين لا يقدر على الكفارة، فقال السائل: ما بين لابتيها أحد أفقر منا، (لابتيها) أي لابتي المدينة يعني بذلك الحرتين، قال فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه, فإن هذا الرجل جاء وهو يقول هلكت ثم أخبر بالكفارة فلم يطق ولم يستطع شيئًا من ذلك ثم جاءت كفارة فأعطي الرجل ليكفر بها فاعتذر بأنه أفقر من الذي سوف يعطى فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم هذه الكفارة لذلك ضحك النبي صلى الله عليه وسلم من حال الرجل، وفي هذا المقطع فوائد:

الفائدة الأولى / أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعب على السائل حين قال (والله ما بين لا بتيها أحد أفقر منا) . وفيه أنه لا حرج من إخبار المرء عن واقعه وحاله، وأخذ من هذا جماعة من العلماء أن من لم يقدر على الكفارة فهي تسقط عنه فإن الكفارة على من قدر عليها، وهذا مذهب الأوزاعي وأحد قولي الشافعي وإليه صار الإمام أحمد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرجل أن يطعم التمر أهله.

ويؤخذ من هذا أن ذكر ستين مسكينًا ليس شرطًا بحيث لو أطعم ما يكفي ستين لشخص واحد أجزأ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (خذه وأطعمه أهلك) ولم يبلغ أهله ستين نفسًا، وفيه التفريق بين ما يكفي الستين وبين إطعام الستين فيجب الإطعام بما يكفي الستين، وتحديد الستين فيه خلاف فمنهم من قال بأنه واجب، ومنهم من قال بأنه ليس بواجب، ومنهم من قال لو أطعم فقيرًا في ستين يومًا أجزأ، وهذا مبني على قوله صلى الله عليه وسلم (خذه فأطعمه أهلك) ، فإن قيل إن هذه هي الكفارة الواجبة وأنها سقطت عنه باعتبار أن النبي صلى الله عليه وسلم حين ملكه الصدقة وكان فقيرًا فقال (خذه فأطعمه أهلك) باعتبار أن الأهل نيابة عن الفقراء الآخرين، وهذا صريح بأنه يطعم ما يكفي ستينًا ولو لشخص واحد، وإن قيل بأن الكفارة لا تزال متعلقة بالرجل ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قدم إطعام أهله على الكفارة فحين ادعى الحاجة والفقر كان قضاء حاجته أولى من قضاء الكفارة باعتبار العجز، والله يقول {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} البقرة286،فحينئذ لا يكون فيه دلالة على إطعام أقل من ستين مسكينًا ولو أطعمهم ما يكفي الستين.

قال الإمام أبو عيسى رحمه الله (والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم فيمن أفطر في رمضان متعمدا من جماع) : أي عليه الكفارة المغلظة بشرط أن يكون فطره في نهار رمضان، أما لو كان فطره في صيام واجب في غير رمضان فلا كفارة عليه. وبشرط أن يكون فطره عن علم مع التعمد، وبشرط أن يكون جماعًا والجماع هو الإيلاج، إذا لم يكن إيلاجًا فلا كفارة، كأن يستمني بين فخذي زوجته فهذا لا كفارة عليه لأن الكفارة مرتبطة بالإيلاج، قال الجمهور يقضي يومًا، قوله أما من أفطر متعمدًا من أكل أو شرب، أي من أفطر متعمدًا في أكل أو شرب فإن أهل العلم قد اختلفوا في ذلك فقال بعضهم عليه القضاء والكفارة وشبهوا الأكل والشرب بالجماع وهو قول سفيان الثوري وابن مبارك وإسحاق وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى وهذا القياس فيه نظر والفارق في هذا القياس أقوى من الجامع وأركان القياس أربعة: الأول / الأصل. الثاني / الفرع. الثالث/ العلة الجامعة، والشرط في العلة الجامعة أن تكون أقوى من العلة الفارقة والعلة الفارقة في هذا الباب أقوى من العلة الجامعة وقد تقدمت الإشارة إلى هذا.

الركن الرابع / الحكم.

قال أبو عيسى (وقال بعضهم عليه القضاء ولا كفارة عليه) : وهذا مذهب الجمهور، عليه القضاء فيمن أكل أو شرب متعمدًا ولا كفارة عليه لأنه لم يثبت في الكفارة دليل.

قوله: علل لأنه إنما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم كفارة الجماع ولم يذكر عنه في الأكل والشرب هذا قد يجاب عنه بأنه لم يذكر عن الرجل أنه أكل أو شرب متعمدًا، فالجواب عمن جامع ولم تأت قضية بأن هناك من أفطر بأكل أو شرب متعمدًا، قالوا لا يشبه الأكل والشرب الجماع وهذا بلا شك لمعان أخرى وليس لمعنى أن الحديث جاء في الكفارة ولم يأت في الأكل والشرب لأن هذا لم يأت سببه ولا ما يوجب الحديث عنه.

قال أبو عيسى وهو قول الشافعي وأحمد، أي والجمهور وقول الشافعي وقل النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي أفطر فتصدق عليه خذه فأطعمه أهلك يحتمل هذا معاني يحتمل أن تكون الكفارة على من قدر عليها، وهذا أحد قولي الشافعية وهو مذهب أحمد وصار إليه الأوزاعي وغيرهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرجل أن يطعم التمر أهله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت