فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 151

قال أبو عيسى حدثنا هناد أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة والأسود عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر وهو صائم وكان أملككم لإربه. وهذا الخبر رواه مسلم من طريق أبي معاوية، ورواه من طريق زائدة حدثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عائشة، ورواه البخاري من طريق شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، وفيه الجمع بين كونه صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر، وأن المقصود بالمباشرة غير القبلة فإن المباشرة أعم من القبلة وتفسر المباشرة في هذا الباب بمس الرجل امرأته في كل موضع دون الفرج، وهذا أفتى به طائفة منهم الإمام بن حزم رحمه الله تعالى وتقدم قوله (ولا نبالي أكان معها إنزال مقصود إليه أو لم يكن) لأن المحظور عند أبي محمد هو الجماع فقط، وهذا الذي صار إليه الإمام ابن خزيمة رحمه الله تعالى في صحيحه، وقال أن المباشرة بما دون الجماع [1] لقوله جل وعلا {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ} البقرة187،وأن ما حظر عليه في النهار هو الجماع الذي أذن له في الليل، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يباشر وهو صائم، وهذا هو المفهوم من قول عائشة وجوابها لمسروق حين قال ما يحل للرجل من امرأته صائما فقالت (كل شيء إلا الجماع) . وجاء هذا عن عائشة من غير وجه بأسانيد صحيحه، وهؤلاء يفسرون قول عائشة وكان أملككم لإربه أي لذكره فهي تعني بالإرب هنا العضو وعنت من الأعضاء الذكر أي كان أملككم لكونه لا يواقع، ومنهم من يروي هذا بفتح الهمزة والراء يعنون بذلك الحاجة، ومنهم من كسر الهمزة وفسره أيضا بالحاجة، وطائفة يضبطون هذا بكسر الهمزة وسكون الراء ولعله الأقرب والمقصود من ذلك أنه كان أملك لذكره. وقد فهم طائفة من قول عائشة أن المباشرة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنه هو الذي يأمن على نفسه ويلحق به من كان يأمن على نفسه ومن عدا هؤلاء فالمباشرة في حقهم محظورة وهؤلاء يفسرون قولها (وكان أملككم لإربه) أي لشهوته وهذا مذهب الجمهور وفيه طائفة من العلماء يجوزون القبلة ولكن يمنعون المباشرة، والمالكية يكرهون القبلة والمباشرة مطلقًا وقد روى بن أبي شيبة بسند صحيح عن عمر أنه يكره القبلة والمباشرة، وحكى ابن المنذر رحمه الله تعالى عن جماعة تحريم المباشرة للصائم، وطائفة من العلماء يجوزون المباشرة ويحتجون بظاهر حديث الباب وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل ويباشر وهو صائم الخبر فرق بين القبلة وبين المباشرة وهؤلاء يقولون بأن الخصوصية تحتاج إلى دليل هذا الأمر الأول.

الأمر الثاني / أن الأصل في الأحكام التشريع دون الخصوصية.

الأمر الثالث / أن عائشة أفتت لمسروق أن الصائم يحل له كل شيء إلا الجماع وهذا كالمفسر والمبين لقولها (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر وهو صائم) وهذا أيضًا كالمبين لأن عائشة تعني بقولها (وكان أملككم لإربه) أي لذكره وإلا لم يكن لقول عائشة كل شيء إلا الجماع معنى أو كان هذا مخالفًا لقولها (وكان أملككم لإربه) لو كانت تعني الشهوة.

قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح وأبو ميسرة اسمه عمرو بن شرحبيل، ومعنى لأربه يعني لنفسه، هذا على قول من فسر بفتح الهمزة وبفتح الراء لأربه يعني لنفسه أي كان أمللكم لنفسه وهذا قول طائفة من العلماء ولكن خير من فسر قول عائشة بقول عائشة نفسها لأن عائشة رضي الله عنها لو كانت تعني فكان أملككم لأربه أو الضبط الآخر لإربه أو لأًَرَبه كانت تعني الشهوة لبينت هذا في فتاواها وحين سألها مسروق عما يحل للرجل من امرأته صائمًا فقالت (كل شيء إلا الجماع) ولم تستثن أحدًا دون أحد، وهذا الذي نصره ابن حزم وابن خزيمة وجماعة من الأئمة، ومن كان يعلم من نفسه بأن الشهوة قد تثور وتهيج وقد يقع في الجماع فيجب عليه الابتعاد عن تقبيل أو مباشرة امرأته.

مسائل هذا الباب نذكرها على عجل المسألة الأولى: ذهب الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى إلى أنه لو قبل أو باشر فأمنى فإنه يفطر ولا يلزمه القضاء، وهؤلاء يقولون عن الإمناء بأنه أحد المفطرات ويستدلون بحديث (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) وخالفهم في ذلك الإمام ابن حزم وطائفة وقال إن هذا لم يثبت به نص، وهؤلاء يحكون عن عائشة أنها تجيز هذا لما يفهمونه من فتواها لمسروق (كل شيء إلا الجماع) ويأخذون هذا في التجويز من قول عائشة (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر وهو صائم) ولهذا قال ابن حزم ولا نبالي أكان معها إنزال مقصود إليه أو لم يكن.

(1) - قال ابن خزيمة: باب الرخصة في المباشر التي هي دون الجماع للصائم و الدليل على أن اسم الواحد قد يقع على فعلين أحدهما مباح و الآخر محظور إذ اسم المباشر قد أوقعه الله في نص كتابه على الجماع و دل الكتاب على أن الجماع في الصوم محظور قال المصطفى صلى الله عليه و سلم: إن الجماع يفطر الصائم و النبي المصطفى صلى الله عليه و سلم قد دل بفعله على أن المباشرة التي هي دون الجماع مباحة في الصوم غير مكروهة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت