ويضاف إلى ذلك وفي الباب عن ابن عباس في قصة دخول النبي صلى الله عليه وسلم على جويرية والخبر متفق على صحته، ومنه حديث أبي جحيفة قال آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة فقال لها ما شأنك قالت أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا فجاء أبو الدرداء صنع له طعامًا فقال كل، فقال إني صائم قال سلمان ما أنا بآكل حتى تأكل قال فأكل الحديث، وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم (صدق سلمان) رواه البخاري وغيره، فقد أفطر في النفل ولو كان يرى أنه يجب عليه الإتمام ما افطر وفي نفس الوقت حين أفطر كان الحق مع سلمان حين أمره بالفطر وقال النبي صلى الله عليه وسلم صدق سلمان وهو الفارسي رضي الله عنه، وحديث أبي سعيد الذي أشار إليه أبو عيسى أخرجه البيهقي قال صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم طعامًا فلما وضع قال رجل أنا صائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (دعاك أخوك وتكلف لك أفطر فصم مكانه إن شئت) ومنهم من حسَّن هذا الخبر وفيه نظر.
قوله وفي الباب عن عائشة هذا رواه مسلم وأورده المؤلف رحمه الله تعالى تحت ترجمة (باب صيام المتطوع بغير تبييت) وهذه الترجمة غير موجودة في بعض نسخ جامع أبي عيسى.
قال أبو عيسى حديث أم هانئ في إسناده مقال وهذا قول الأكابر من الحفاظ فإن حديث الباب غير صحيح وقد أحسن ابن التركماني في الجوهر النقي حين قال: هذا الحديث مضطرب سندًا ومتنًا وأما اضطراب متنه فظاهر وقد جاء في بعض رواياته أنه كان يوم الفتح وهي أسلمت عام الفتح وكان الفتح في رمضان أي فكيف يتصور قضاء رمضان في رمضان وأما اضطراب سنده فاختلف على سماك فيه فتارة يرويه عن أبي صالح وتارة عن جعده وتارة عن هارون وهذا الاختلاف غير مقبول.
قال أبو عيسى -قبل الحديث عن الفقه- حدثنا محمود بن غيلان أخبرنا أبو داود أخبرنا شعبة قال كنت أسمع سماك بن حرب يقول أحد بني أم هانئ حدثني فلقيت أنا أفضلهم وكان اسمه جعده قد قال البخاري رحمه الله تعالى عن جعده"لا يعرف إلا بحديث المتطوع أمير نفسه وفيه نظر"، هذا قول البخاري رحمه الله تعالى وقوله وكانت أم هانئ جدته فحدثني عن جدته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها فدعا بشراب فشرب ثم ناولها فشربت فقالت يا رسول الله أما إني كنت صائمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الصائم المتطوع أمين نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر) قال شعبة فقلت له أأنت سمعت هذا من أم هانئ قال لا، أخبرني أبو صالح وأهلنا عن أم هانئ، وصالح هذا هو باذان مولى أم هانئ وهو ضعيف الحديث، ومن قال أن أبا صالح هذا هو السمَّان فقد غلط الصواب أن أبا صالح هذا هو باذان وهو ضعيف الحديث.
قال أبو عيسى وروى حماد بن سلمه هذا الحديث عن سماك فقال عن هارون بن بنت أم هانئ عن أم هانئ قال أبو عيسى ورواية شعبة أحسن وفي نفس الوقت رواية شعبة ضعيفة قال هكذا حدثنا محمود بن غيلان عن أبي داود فقال أمين نفسه وحدثنا غير محمود عن أبي داود فقال أمير نفسه أو أمين نفسه على الشك وهكذا روي من غير وجه عن شعبة أمير أو أمين نفسه على الشك وهذا الخبر كما قال الإمام أبو عيسى حديث أم هانئ في إسناده مقال وهذا المقال مضطرب سندا ومتنا.
تقدم قبل قليل قول بن التركماني رحمه الله تعالى في (الجوهر النقي) وقد ضعف هذا الخبر أكثر أئمة الحديث منهم البخاري وأبو عيسى وأشار إلى علته أبو حاتم وابن التركماني في (الجوهر النقي) وغير هؤلاء، وعلة الخبر واضحة بل له أكثر من علة في الإسناد والمتن، قال أبو عيسى والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أن الصائم المتطوع إذا افطر فلا قضاء عليه إلا أن يحب أن يقضيه، وهو قول سفيان الثوري واحمد وإسحاق والشافعي وهذا قول أكثر العلماء وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى إن أفطر ناسيًا يتم صومه ولا شيء عليه وإن أفطر فيه عمدا فقد أساء ويقضي وقد قال في المراقي وهو نظم مالكي:
و النفل ليس بالشروع يجب ... بغير ما نظمه مقرب
قف واستمع مسائل قد حكموا ... بأنها بالابتداء تلزموا
صلاتنا وصومنا وحجنا ... كذا عمرة لنا واعتكاف
الشاهد (وصومنا) فإن المالكية يرون وجوب القضاء فيمن أفطر في صيام النفل، وقال أبو حنيفة إن أفطر يلزمه القضاء، وقال الأمام أبو محمد بن حزم للمرء أن يفطر في صوم التطوع إن شاء لا نكره له ذلك إلا أن عليه إن أفطر عامدًا قضاء يوم مكانه واحتج بحديث عائشة قالت (أصبحت صائمة أنا وحفصة فأهدي لنا طعام فأعجبنا فأفطرنا فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فبدرتني حفصة فسألته قال صوما يومًا مكانه) وهذا الخبر معلول وقد أعله أبو حاتم وغيره، ويأتي إن شاء الله تعالى الحديث عنه في جامع أبي عيسى، وقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم على جويرية