سلمه عن عائشة وفيه (كان يصوم شعبان كله يصوم شعبان إلا قليلًا) ورواه البخاري ومسلم من طريق مالك عن أبي النضر عن أبي سلمه عن عائشة رضي الله عنها قالت (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان) وهذا هو المحفوظ فلم يصم النبي صلى الله عليه وسلم شعبان كله ولم يكن يصل شعبان برمضان ولم يصم شهرين متتابعين أبدًا ولهذا جاء في مسلم أيضا من طريق عبد الله بن شقيق قال سألت عائشة عن صوم النبي صلى الله عليه وسلم فقالت (كان يصوم حتى نقول قد صام، قد صام ويفطر حتى نقول قد أفطر، قد أفطر وما رأيته صام شهرا كاملًا منذ قدم المدينة إلا أن يكون رمضان) وهذا كله يؤكد ضعف حديث الباب وأن ذكر أم سلمه غلط والصواب في هذا الخبر أنه من حديث عائشة باللفظ المتقدم المخرج في الصحيحين.
قال أبو عيسى وروى عن بن المبارك أنه قال في هذا الحديث وهو جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقال صام الشهر كله وهذا محفوظ عن جمع من العلماء فالأحاديث الواردة في أنه صلى الله عليه وسلم صام شعبان كله مفسرة بالأحاديث الأخرى أنه يصوم أكثره والعرب في لغتها تغلب فمن صام سبعًا وعشرين يومًا أو ثمانية وعشرين أو تسعًا وعشرين يومًا يقولون صام ثلاثين وإذا صام واحدًا وعشرين يومًا أو اثنين وعشرين يومًا أو ثلاثًا وعشرين يومًا يقولون صام عشرين ويقولون في لغتهم عندي خمسون درهما إذا لم يكن عنده إلا ثمانية أو سبعة وأربعون وعندي أربعون درهمًا إذا كان عنده ستة أو سبعة وثلاثون أو أكثر من الأربعين بقليل وهذا الفهم الذي ذكره عبد الله بن مبارك من كلام العرب هو المصرح به في الروايات الأخرى فاتفقت اللغة والروايات الثابتة الصحيحة الصريحة أنه لم يكن يصوم شعبان كله وأنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم أكثره وما جاء من الروايات أنه صام أو يصوم كله فهذا على وجه التغليب، قال ويقال قام فلان ليله أجمع ولعله تعشى واشتغل ببعض أمره لأن الكل يطلق على البعض وكونه تعشى واشتغل ببعض أمره لا ينافي كلامهم بأنه قام الليل أجمع أو قام الليل كله.
قال أبو عيسى كأن ابن المبارك قد رأى كلا الحديثين متفقين يقول إنما معنى هذا الحديث أنه كان يصوم أكثر الشهر بمعنى أن حديث الباب (ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان) رمضان على الأصل وشعبان على التغليب وهذا حيث يثبت الحديث جمعًا بينه وبين الأخبار الأخرى ولكن الخبر معلول والصواب أن الخبر خبر عائشة وليس هو خبر أم سلمه ويكون جواب ابن المبارك على ما جاء في بعض ألفاظ حديث عائشة بأنه كان يصوم شعبان كله مع أنه جاء في بعض الأحاديث كان يصوم شعبان إلا قليلًا لأن هذا معروف في لغتهم، من صام ثلاثة وعشرين يومًا لا حرج أن يقول صمت عشرين يومًا على التغليب، ومن صام سبعة أو ثمانية أو تسعة وعشرين يومًا فلا حرج أن يقول صمت ثلاثين يومًا على وجه التغليب، كما أن الشهر قد يكون ثلاثين وقد يكون تسعة وعشرين فلا حرج أن تقول صمت شهرًا والمسلمون يصومون شهرًا وقد يكون الشهر ناقصًا لقوله صلى الله عليه وسلم الشهر تسع وعشرون فإن قيل لو أن امرأً نذر أن يصوم شهرًا كاملًا وأخر نذر أن يصوم ثلاثين يومًا هل يصح أن يصوم على التغليب؟ الجواب أن من نذر أن يصوم شهرًا فإن نقص الشهر يصح صومه وأما الذي نذر أن يصوم ثلاثين يومًا فيجب عليه أن يستوفي العدد لأن الفعل متعلق في هذا الباب باللفظ فيجب إحصاء اللفظ ولأن الأصل في هذه الألفاظ على حقيقتها وليست على وجه التغليب ولعدم وجود معارض في هذا الباب لاسيما أن الألفاظ يجب التعامل معها على وجه الظاهر حتى لا يوجد لبس في المعاملات اللغوية أو المعاملات الشرعية أو الألفاظ اللغوية والألفاظ الشرعية، فمن نذر أن يصوم ثلاثين يومًا يجب عليه أن يستوفي العدد ولا يحق له أن يقول صمت سبعة وعشرين أو ثمانية وعشرين، ويكفي هذا لأن المقصود التغليب ولكن لو كان من نيته أن يقول لله علي أن أصوم ثلاثين يومًا وهو يقصد على وجه التغليب ومن نيته أن يصوم ثمانية وعشرين فإنما الأعمال بالنيات، وإلا فالأصل أن يصوم ثلاثين يوما وأما إطلاق الكل وإيراده البعض فهذا كثير في الكتاب والسنة من ذلك قوله تعالى {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ} التوبة30،فإن هذا القول لم يكن قولا لعامة اليهود ولا قولا لعامة النصارى إنما هو قول طائفة منهم وقالت بعض اليهود وقالت بعض النصارى، ومن ذلك قوله جل وعلا {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} آل عمران173، لم يقل ذلك كل الناس إنما قال لهم بعض الناس {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} لم يجمعوا لهم إلا قليل من الناس."فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل".
ملخص هذا الباب أن حديث أبي سلمه عن أم سلمه قالت ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان، هذا ضعيف والمحفوظ في هذا الباب ما رواه البخاري وغيره من طريق مالك عن أبي النضر عن أبي سلمه عن عائشة قالت (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان) .