الأمر الأخر أن العرب تغلب في لغتها فيقول صمت شعبان كله وقد صام أكثره قمت الليل أجمع وتخلل ذلك عشاء وشغل بحاجة الأهل وهذا على وجه التغليب.
يؤخذ من الحديث فضيلة الصوم في شعبان وأن الصوم في شعبان أفضل منه الصوم في رجب وغيره من الشهور ولا يفضل شعبان في الصوم إلا شهر الله المحرم لقوله صلى الله عليه وسلم حين سئل أي الصيام أفضل بعد رمضان قال شهر الله المحرم رواه مسلم وغيره، لكن من فعل النبي صلى الله عليه وسلم كان يستكثر في شعبان ما لا يستكثر في غيره وقد نقل عنهم الاستكثار في شعبان ما لم ينقل عنه الصيام في شهر الله المحرم، وإنما جاء في شهر الله المحرم قوله صلى الله عليه وسلم (أنه أفضل الصيام بعد رمضان) ،وحينئذ يقدم القول على الفعل لان كونه صلى الله عليه وسلم يستكثر من الصيام في شعبان لا يعني أن الصيام في شعبان أفضل منه في شهر الله المحرم، وقد قالت عائشة عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصيام كان يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم وهذا متفق على صحته.
ويؤخذ من ذلك أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان وهذا لا يختلف فيه أهل السنة بأن الإيمان بإجماع الصحابة والأئمة المتبوعين قول وعمل قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح وهذا التعريف للإيمان أصح من التعريف المشهور قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان لأن هذا التعريف ليس فيه أعمال القلوب وهذا عيب هذا التعريف لأنه قال قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان، أما التعريف الذي ذكرته عن الأئمة هو الذي ادرك على البخاري أكثر من ألف شيخ وهو الذي حكاه غير واحد إجماعا لأهل السنة قول وعمل قول القلب واللسان قول القلب هو تصديقه وعمل القلب هو حبه وخوفه ورجاؤه وولاؤه وبراؤه عمل القلب واللسان والجوارح هذا التعريف أتى على كل شيء فهو تعريف جامع مانع.
ويؤخذ من الحديث أيضا أن العرب تغلب في لغتها ويجب معرفة وفي نفس الوقت العرب تطلق الكل على البعض.
ويؤخذ من هذا أنه ليس بلازم من صحة أو من ثقة الرواة صحة الإسناد وثبوت المتن فإن رواية مالك ورواية بن عيينة عن ابي لبيد أصح من رواية من رواه كسالم بن أبي الجعد عن أبي سلمه عن أم سلمه.
ويؤخذ من هذا الترجيح بين الروايات.
ويؤخذ من هذا أن الروايات تفسر بعضها بعضا.
ويؤخذ من هذا كثرة صومه صلى الله عليه وسلم لان الصيام جنة ووقاية للعبد قد قال النبي صلى الله عليه وسلم (من صام يوما في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا) متفق على صحته ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله قيل في الجهاد وقيل في سبيل الله أي في ذات الله أي تقصّد أن يصوم هذا اليوم بحثًا عن الإخلاص ويريد بذلك وجه الله فمن صنع هذا وصام يوما يقصد به وجه الله فإن الله جل وعلا يباعد وجهه عن النار سبعين خريفًا، العلماء مختلفون في هذا منهم من ذهب إلى الأول ومنهم من ذهب إلى الثاني ومنهم من قال ولعله الأقرب إلى الصواب أن الخبر يحتمل المعنيين.
فمن صام في الجهاد فإن الله يباعد وجهه عن النار سبعين خريفًا بشرط أن لا يؤدي به الصوم إلى الضعف الذي يُطمع العدو فيه فحينئذ يكون صومه حرامًا لأنه تسبب في هزيمة المسلمين وفي ضعف المسلمين وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم (أولئك العصاة أولئك العصاة) وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم (ليس من البر الصيام في السفر) وتوجيه هذا فيمن يشق عليه والذين يصومون ابتغاء وجه الله ويرجون الله واليوم الأخر فإنهم يدخلون في هذا الخبر وأن الله يباعد وجوههم عن النار سبعين خريفًا، وكثير في السنة يطلق في سبيل اله ويقصد في ذلك في ذات الله كقول النبي صلى الله عليه وسلم (لم يكذب ابراهيم في ذات الله) وكقول علي حين قال ولست أبالي حين أقتل مسلما ? على أي جنب كان لله مصرعي ?وذلك في ذات الإله.
ويؤخذ من كل ذلك إثبات الذات لله جل وعلا وقد حكى ابن تيمية الإجماع على تفسير قول الله جل وعلا {وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ} آل عمران28،أي ذاته، حكاه بن تيميه إجماعًا وهذا في نفس الوقت لا ينافي إثبات صفة النفس لله جل {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} المائدة116،ويؤخذ من ذلك مشروعية التقرب بالنوافل وقد جاء في الحديث القدسي الذي رواه البخاري وغيره من طريق خالد بن مخلد القطواني قال حدثنا سليمان بن بلال عن شريك عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه (قال الله تعالى من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه