داود رحمه الله تعالى في سننه لم يجيء به غير العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، وقد احتج بالعلاء مسلم وغيره وقال الإمام أحمد (ثقة لم أسمع أحد ذكره بسوء) ، وقال النسائي (ليس به بأس) ، وقال ابن عدي (وللعلاء نسخ عن أبيه عن أبي هريرة يرويها عنه الثقات وما أرى به بأس) ، ووثقه ابن حبان وابن سعد وروى له البخاري في كتاب (القراءة خلف الإمام) ومسلم وأهل السنن، وتكلم فيه ابن معين، وقد أنصفه الإمام أبو حاتم رحمه الله تعالى فقال (صالح روى عنه الثقات ولكنه أنكر من حديثه أشياء) فالعلاء صدوق، وقد صحح له مسلم عن أبيه عن أبي هريرة ما لا يقل عن خمسين حديثًا، وصحح له جمع غفير من الحفاظ، فهو ثقة في حديثه وليس من شرط الثقة أن لا يخطئ، وقد قال أبو حاتم (أنكر من حديثه أشياء) من ذلك حديث الباب، فإن الإمام أحمد رحمه الله تعالى يقول عن العلاء (ثقة لم أسمع أحدًا ذكره بسوء) وقد طعن في خبره هذا، وقد ذهب إلى تضعيف هذا الحديث أكثر الحفاظ منهم الإمام أحمد وابن معين وغيرهما وقد حكم ابن معين على هذا الخبر بالنكارة، وطعن في الحديث أيضًا الإمام أبو حاتم، وكان الأمام عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث به، والنكارة في هذا الخبر من تفرد العلاء عن أبيه ومخالفة الأئمة الثقات في هذا فالإمام أبو عيسى وأبو داود وجماعة من الحفاظ يذهبون إلى تصحيح هذا الخبر وأنه ليس بمخالف لحديث يحي بن أبي كثير عن أبي سلمه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تقدموا رمضان بيوم ولا يومين) ، وهو متفق على صحته.
قال أبو عيسى ومعنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن يكون الرجل مفطرا فإذا بقي شيء من شعبان أخذ بالصوم لحال شهر رمضان بمعنى أنه يريد استقبال رمضان بالصوم على نية الاحتياط لرمضان وهذا منهي عنه سواء تقدم رمضان بيوم أو يومين أو بأكثر من ذلك، وحينئذ يكون حديث الباب غير مخالف لحديث (لا تقدموا رمضان بيوم ولا يومين) لأن لفظ اليوم واليومين في حديث أبي هريرة المتفق على صحته ليس قيدًا، فمن تقدم رمضان لحال رمضان فهذا منهي عنه.
قال أبو عيسى وقد روى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يشبه قوله أي قول بعض أهل العلم الذي أشار إليه أبو عيسى، وهذا حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا تقدموا شهر رمضان بصيام إلا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدكم) وهذا الخبر متفق على صحته من رواية يحي بن أبي كثير عن أبي سلمه عن أبي هريرة، وقد قيل أن الحكمة من النهي في قوله صلى الله عليه وسلم (لا تقدموا رمضان بيوم ولا يومين) أن الحكم عُلق بالرؤيا (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) ، فمن تقدم بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك، قال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى على هذا التوجيه في فتح الباري وهذا هو المعتمد.
قال أبو عيسى وقد دل في هذا الحديث إنما الكراهية على من يتعمد الصيام لحال رمضان فهذا يعني في كلام أبي عيسى أن قوله صلى الله عليه وسلم (إذا بقي نصف شعبان فلا تصوموا) إذا كان لحال رمضان، فحينئذ على هذا التعريف وعلى هذا التوجيه يوافق قول الجمهور بأنه لا حرج من الصيام بعد انتصاف شعبان لأن الجمهور يقولون يجوز الصوم تطوعًا بعد النصف من شعبان وإذا كان لمعنى رمضان فإنهم ينهون عن ذلك وأن لفظه أو قوله صلى الله عليه وسلم (لا تقدموا رمضان بيوم ولا يومين) ليس قيدًا حيث لو تقدم بثلاثة لمعنى رمضان كان النهي متوجهًا، وفيه قول من الأقوال بمنع هذا المعنى وقال حين قال صلى الله عليه وسلم (لا تقدموا رمضان بيوم ولا يومين) لأنه يتأتى يوم الشك في هذا، فقوله صلى الله عليه وسلم (بيوم أو يومين) إذا كان الشهر ناقصًا فبيوم وإذا كان الشهر تامًا فبيومين، ولأن الحكمة من النهي أن الحكم علق بالرؤية فمن تقدم بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك، فيكون هذا قيدا، وأما من صام قبل رمضان بثلاثة أيام فإنه لا حرج من هذا على هذا المعنى، ولكن لو نوى لحال رمضان ربما يُنهى لمعنى آخر وليس لفهم هذا الخبر، وفيه قول في هذه المسألة بأنه يحرم التقدم بيوم أو يومين لحديث أبي هريرة في الصحيحين ويكره التقدم من النصف من شعبان لحديث العلاء فهم يحملون حديث العلاء على الكراهية للتنزيه، ويحملون حديث يحي بن أبي كثير عن أبي سلمه عن أبي هريرة على التحريم، وعلى كل فحديث العلاء فيه نظر وحين يثبت فقد تقدم توجيهه.
المعتمد في هذا الباب على الأخبار الصحيحة ولاسيما الذين يوثقون العلاء كالإمام أحمد، وجماعة يطعنون في حديث الباب، فهذا أبو حاتم يقول (صالح روى عنه الثقات ولكن أنكر من حديثه أشياء) وجعل من المنكرات حديث الباب.
نقف على هذا نأخذ إن شاء الله غدا باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان والله أعلم.
الأسئلة:
س: الأخ يقول هل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه إذا فاته اجتمعت عليه الأيام والشهور ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم من كل شهر إذا فوت هذا الشهر ثم فوت ما بقي يجمع هذه الأيام في شعبان؟