وعلا {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} التوبة36.
قال أبو عيسى رحمه الله تعالى حدثنا قتيبة أخبرنا أبو عوانه عن أبي بشر عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصيام بعد صيام شهر رمضان شهر الله المحرم) قال أبو عيسى حديث أبي هريرة حديث حسن. بمعنى أنه جاء من غير وجه وليس في رواته لا كذاب ولا متهم ولم يكن شاذًا، وهذا الخبر رواه مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه بمثل هذا الإسناد، قال حدثني قتيبة قال أخبرنا أبو عوانه إلى أخره، ورواه في صحيحه عن زهير بن حرب قال حدثنا جرير عن عبد الملك بن عمير عن محمد بن المنتشر عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ورواه من طريق زائدة عن عبد الملك بمثله ورواه النسائي من طريق شعبة عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية أنه سمع حميد بن عبد الرحمن يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال النسائي أرسله شعبة وقد وصله أبو عوانه ومحمد بن المنتشر، أورده الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه وذهب إليه أكثر الأئمة وأن أفضل الصيام بعد صيام شهر رمضان هو صيام شهر الله المحرم.
قوله (أفضل الصيام) أفضل مبتدأ وخبره شهر الله المحرم، وقد جاز الابتداء بالنكرة للإضافة إلى المعرفة ولا يختلف العلماء بأنه لا يجب صيام شهر من الشهور إلا رمضان، وذهب أكثر العلماء إلى أن أفضل الشهور بعد رمضان هو شهر الله المحرم وإن لم يكن واجبًا وهذا لا ينافي إكثاره صلى الله عليه وسلم من الصيام في شعبان، وقد قيل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم بفضل شهر الله المحرم إلا متأخرًا وهذا الجواب فيه نظر، وقيل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم من شعبان تذكيرًا للناس ولأن هذا الشهر يغفل فيه الناس بخلاف شهر الله المحرم فقد نبه على فضله بقوله ولم ينقل عنه لأنه كان يصوم ذلك، وعدم النقل ليس نقلًا للعدم، ولاسيما أن عائشة تقول (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم) وهذا متفق على صحته ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم شهر الله المحرم لوجود موانع وأعذار تمنع من إكثار الصوم فيه كالسفر والمرض ونحو ذلك، ويحتمل غير ذلك والذي عليه الأكثر أن صيام شهر الله المحرم أفضل من صيام شعبان بدليل أن يومًا واحدًا من شهر الله المحرم يكفر سنة كاملة، وهذا لم يرد في صيام شعبان فلا تنافي حينئذ بين فعله صلى الله عليه وسلم وبين قوله فيحمل هذا على وجه وذاك على وجه آخر، وتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصم شهرًا كاملًا قط إلا رمضان، ويؤخذ من هذا الحديث أن الواجب أفضل من المستحب وهذا واضح لقوله (أفضل الصيام بعد صيام شهر رمضان) لأنه لم يذكر واجبًا آخر فقد ذكر شهرًا مستحبًا وفيه تفضيل بعض الشهور على بعض فإن الله جل وعلا فضل بعض الشهور على بعض، وفضل بعض الأيام على بعض، وفضل بعض الساعات على بعض كآخر ساعة من يوم الجمعة، كما أنه جل وعلا فضل الرجال على النساء أي جنس الرجل على جنس المرأة ومايز وفرق بين الرجال وفضل بعضهم على بعض، وفرق بين النساء وفضل بعضهن على بعض، وتفضيل جنس الرجل على جنس المرأة لا يلزم منه أن يكون كل رجل أفضل من كل امرأة فهذا غلط فعائشة تزن الملايين من الرجال، هذا تفضيل الجنس على الجنس كتفضيل العرب على العجم لا يلزم أن يكون كل عربي أفضل من كل أعجمي فسلمان أيضا يزن الملايين ومن ذلك أيضًا تفضيل شهر الله المحرم لا يلزم منه تفضيل كل يوم من صام محرم على كل يوم من بقية الشهور لأن صيام يوم عرفة يكفر سنتين بخلاف يوم عاشوراء يكفر سنة واحدة.
قال أبو عيسى رحمه الله تعالى حدثنا علي بن حجر قال اخبرنا علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي قال سأله رجل فقال أي شهر تأمرني أن أصوم بعد شهر رمضان فقال له ما سمعت أحدا يسأل عن هذا إلا رجلا سمعته يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قاعد عنده فقال يا رسول الله أي شهر تأمرني أن أصوم بعد شهر رمضان قال إن كنت صائما بعد شهر رمضان فصم المحرم فإنه شهر الله فيه يوم تاب الله فيه على قوم ويتوب فيه على قوم آخرين، قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب وقد تفرد به عبد الرحمن بن اسحاق عن النعمان بن سعد، ولا يختلف الحفاظ في تضعيف عبد الرحمن قال عنه الإمام أحمد رحمه الله (ليس بشيء منكر الحديث) ، وقال ابن معين (ليس بشيء) ، وقد ضعفه البخاري وأبو زرعه والنسائي وآخرون، وأما خاله النعمان بن سعد لم يرو عنه سوى ابن أخته عبد الرحمن وقد ذكره بن حبان في ثقاته ولم يخرج له أحد من أصحاب الكتب الستة سوى الترمذي، وقد اتفق الحفاظ على أن هذا الخبر ضعيف وقد تفرد به عبد الرحمن بن إسحاق وهو متفق على ضعفه، وفيه علة أخرى أنه لم يرو عن علي إلا النعمان بن سعد وهو غير معروف، ولم يرو عنه سوى عبد الرحمن الضعيف، فلا يقبل تفرد النعمان عن علي ولا تفرد ابن أخته