عن خاله، وهذا الحديث يفيد فضيلة شهر الله المحرم ولم يذكره الإمام أبو عيسى رحمه الله تعالى أصلًا في الباب وقد أورد قبله حديث أبي بشر عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة والخبر وارد في صحيح مسلم وأن أفضل الصيام بعد شهر رمضان هو شهر الله المحرم، وقوله في هذا الحديث الضعيف (فيه يوم تاب الله على قوم وهم قوم موسى قد نجاهم الله جل وعلا من فرعون وأغرقه، ويتوب فيه على قوم آخرين) وهذا لم يثبت في شيء من الأحاديث وقد ذكر غير واحد من شراح جامع أبي عيسى أن الترمذي رحمه الله تعالى حسن هذا الخبر ويحكون عن المنذر في الترغيب بأنه نقل تحسين الترمذي وأقره وهذا فيه نظر من وجوه:
الوجه الأول: أن الترمذي ضعفه ولم يحسنه لأنه قال حسن غريب وهذا تضعيف.
الأمر الثاني: أن الاصطلاح المشهور عن الترمذي بتعريفه للحسن الذي إذا لم يقرن معه لفظ آخر، وقال أبو عيسى حسن غريب.
الوجه الثالث: أن في إسناد الخبر عبد الرحمن بن إسحاق، ولا يختلف الحفاظ في ضعفه وهذا غير خاف على أبي عيسى رحمه الله تعالى، وحينئذ لا يمكن لأبي عيسى أن يحسنه وفيه هذا الراوي.
الأمر الرابع: أن بعض العلماء نازع في فهم كلام أبي عيسى في الحديث الحسن هل هو بمعنى المقبول أو بمعنى التعريف الذي لا يجيز لا قبولًا ولا ردًا، حين قال عنه بأنه ما جاء من غير وجه ولم يكن في رواته لا كذاب ولا متهم ولم يكن شاذًا، ولكن جاء في جامع أبي عيسى في كتاب العلل (وهذا الذي يقبله الناس) ، وعلى كل الحفاظ يتنازعون في هذا لأن هذا التعريف ليس هو الضابط الدقيق لتعريف الحديث الحسن ولأن تعريف الحديث الحسن بالمعنى الاصطلاحي لم يكن معروفًا قبل أبي عيسى، وإن كان جاء لفظ الحسن قبل أبي عيسى ولكن لم يكن على وجه التحديد والمعنى الاصطلاحي، وعلى كل حديث الباب ضعيف بالاتفاق ولم يحسنه أبو عيسى بل ضعفه، وفيه أمر مهم أنبه عليه أن جماعة من المتأخرين ينقلون الخبر عن جامع أبي عيسى وقد أشار إلى ضعفه ولا يحكون تضعيفه فيقولون رواه أبو عيسى، وهذا غلط تجب حكاية كلام أبي عيسى بأنه قد ضعفه اللهم إلا أنه قد يغتفر بمن له إلمام وعلم واسع بعلم الحديث فيرى أن الخبر صحيح فيحكي الحديث ويقول رواه أبو عيسى ثم يشير إلى صحته باعتبار انه يخالف أبا عيسى فهذا قد يقال به وان كنت أرى أن الإنسان يشير إلى تضعيف أبي عيسى ثم بعد ذلك يبدي رأيه أن كان من أهل الرأي، أما كونه يحكي عن أبي عيسى بأنه قد رواه ويكون أبو عيسى قد أنكره فلا يشير إلى هذا فهذا غلط ومن ذلك الذين يحكون أو يرون الأحاديث عن جامع أبي عيسى ويقولون حديث صحيح وقد صححه الترمذي ولا يشيرون إلى تصحيحه فمن الأدب في علم الحديث إذا خرَّجت الحديث عن كتاب أن تشير إلى قول صاحب الكتاب لأنه أحق بهذا من غيره، إذا كان الحديث في جامع أبي عيسى وقد حكم عليه بالصحة تذكر قوله ثم بعد ذلك تذكر رأيك إن كان هذا الذي يتحدث من أهل العلم، والمصيبة أن بعض الناس قد لا يكون من أهل هذا الاختصاص وليس من أهل هذا العلم فيقدم رأيه على رأي أبي عيسى وعلى رأي الأئمة ولا يشير إلى كلام أئمة هذا الشأن في الحكم على هذه الأحاديث وهذا من الأخطاء الموجودة في المنهج وفي الأدب في التعامل مع الأئمة رحمهم الله تعالى، ومن الأخطاء في هذا الباب أن أبا عيسى رحمه الله تعالى كثيرًا ما يحكي اتفاق الحفاظ على ضعف هذا الخبر فيأتي بعض المتأخرين فيقول قلت وهذه غفلة أو هذا غلط أو له طريق آخر لم يطلع عليه أبو عيسى، أو نحو هذه العبارات وهذا كله غلط فإن المتقدمين حين يتفقون على ضعف خبر فلا تحفل أن تجده من طريق صحيح فهم أهل الشأن في هذا الباب، وفي نفس الوقت حين يتفقون على تصحيح حديث فلا يمكن أن تجده ضعيفًا فاتفاقهم حجة في هذا الباب وليس لأحد أن ينازعهم فيه ولا يمكن لشخص أن يقول أن هذا من التقليد فيريد أن يجتهد ويأتي بالطوام كصنيع كثير من المعاصرين حين يخالفون الأئمة في منهجهم ويخالفون الحفاظ في أحكامهم يأتون بالعجائب ويقع منهم من التخليط ما الله به عليم فيصححون الأحاديث المنكرة ويضعفون الأحاديث الصحيحة ويأتون إلى الأفراد والغرائب والزيادات الواردة على ما في الصحيحين فيحكمون عليه بصحتها، وهذا كله ناجم في الحقيقة عن الغلط في المنهج وعلى جهل هؤلاء بأصول هذا الباب، وأئمة الحديث حين يختلفون في حديث فإنه لا حرج من قول العالم يميل إلى أحدهما بناء على ما تحصل له من الأدلة والقرائن على ترجيح هذا القول على الأخر، والويل ثم الويل لمن يصحح بالهوى أو يضعف بالهوى إذا كان الحديث يوافق هواه حكم عليه بالصحة تمشية لمذهبه أو لرأيه وإذا كان الحديث لا يوافق هواه طعن فيه ولو بمجرد الظن فلا يجوز هذا فإن الإنسان لا يجوز له أن يقدم على هذا إلا إذا حصل عنده اليقين وعلى أقل تقدير غلبت الظن بأن هذا الخبر ضعيف وذاك صحيح، أقف على قول أبي عيسى (باب ما جاء في صوم يوم الجمعة) ، ربما أن الدرس يتوقف إن شاء الله تعالى إلى ما بعد رمضان إن شاء الله بعد رمضان نواصل شرح جامع أبي عيسى لأن كان الوقوف على