فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 151

قال أبو عيسى رحمه الله: (باب ما جاء في كراهية صوم يوم الشك)

(باب) أي هذا باب.

(ما جاء) أي من الأحاديث.

(في كراهية) الكراهية عند السلف تطلق على نوعين.

النوع الأول: كراهية التحريم وهذا الأصل في الكراهية عند أئمة السلف ومنه قوله جل وعلا {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} الإسراء38.

تطلق الكراهية على التنزيه وهذا الغالب في كلام المتأخرين، والمكروه ما نهى عنه الشارع نهيًا غير جازم، حكمه أنه يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله ومنه قوله صلى الله عليه وسلم (إني كرهت أن أذكر الله وأنا على غير طهر) ،هذه كراهية تنزيه والحديث صحيح.

(باب ما جاء في كراهية صوم يوم الشك) والخلاف مشهور بين الفقهاء فمنهم من كره صوم يوم الشك ومنهم من حرمه، ونذكر ما فيه إن شاء الله من خلاف.

(قوله في كراهية صوم) كراهية مضاف، صوم مضاف إليه وصوم مضاف ويوم مضاف إليه ويوم مضاف والشك مضاف إليه.

(يوم الشك) هو يوم الثلاثين يحرم صومه في أصح قولي العلماء سواء حال دون منظره غيم أم لا ولكن إذا لم يحل دون منظره غيم يكون الامر أشد.

قال أبو عيسى حدثنا أبو سعيد عبدالله بن سعيد الأشج أخبرنا أبو خالد الأحمر عن عمرو بن قيس عن أبي اسحاق عن صلة بن زفر قال كنا عند عمار بن ياسر فأتي بشاة مصلية فقال: كلوا فتنحى بعض القوم فقال إني صائم فقال عمار من صام اليوم الذين شك فيه -وفي رواية -يشك فيه فقد عصى أبا القاسم.

قال أبو عيسى حديث عمار حديث حسن صحيح. الحديث رواته ثقات وقد رواه ابن أبي شيبة بنحوه من طريق منصور عن ربعي عن عمار ولكن رواه عبد الرزاق عن منصور عن ربعي عن رجل عن عمار وهذا الخبر علقه البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن صلة مجزومًا بصحته وفيه خلاف في سماع أبي إسحاق هذا الخبر من صلة، ولكن البخاري حين علقه إلى صلة وحذف من قبله هذا يفيد أنه يرى صحة الخبر إلى صلة وهذا الذي جزم به غير واحد وأن أبا اسحاق سمع هذا الخبر من صلة، وأن هذا الذي رواه غير واحد من الحفاظ فلا أطيل بهذا، فالخبر صحيح.

قوله (كنا عند عمار بن ياسر) : وهو الصحابي المشهور قتل مع علي رضي الله عنه في صفين سنة سبع وثلاثين.

وقوله (أتي بشاة مصلية) : أي مشوية.

(فقال كلوا) : فيه إكرام الضيف وفيه الإذن لهم بالأكل، قال غير واحد بأن هذا ليس بلازم لأن تقديم الطعام مؤذن بجواز الأكل، ولكن هذا من الآداب ولا حرج منه ولا حرج أن الإنسان يتوقف عن الأكل حتى يؤذن له، ولا سيما أن هذه عادة لكثير من القبائل والناس ولا سيما أنه لم يرد نص صريح في المسألة إنما فهم من بعض الأدلة أن تقديم الأكل يفيد الإذن بالأكل كما في قصة ابراهيم مع ضيوفه وقيل أن هذه كانت عادة لهم وليس هذا كالحكم الشرعي الملزم في هذه المسألة إذا كانت عادات القوم أنهم لا يأكلون حتى يأذن لهم رب المنزل فلا حرج من ذلك.

(قوله فتنحى بعض القوم) : لأن هذا اليوم كان يوم الشك، وتنحى بعض القوم لأنه كان صائمًا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان مفطرًا فليطعم وإن كان صائمًا فليصل) أي فليدع، لأن الصلاة في اللغة تطلق على الدعاء كقول الله جل وعلا {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} التوبة103، وكما قال الشاعر:

(لها حارس لا يبرح الدهر بيتها وإن ذبحت صلى عليها وزمزما) ، صلى عليها: أي دعا لها، وزمزما: هنا أي بمعنى صوت، ولذلك سمي ماء زمزم، وقيل من التصويت صوت النبع، وقيل غير ذلك تسمية ماء زمزم بهذا الاسم.

قال له الرجل حين تنحى إني صائم، فقال عمار: من صام اليوم الذي شك فيه"وفي رواية"الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم أي صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت