عنها حفصة ابنة سيرين وهي ثقة وصحح لها الترمذي وابن خزيمة وابن حبان، وهذا ظاهر كلام أبي حاتم، وهذا يرفع جهالتها ويقوي أمرها، فإن الخبر إذا لم يرو إلا من طريق واحد وصحح أحد الأئمة الحديث فإن هذا توثيق لكل الرواة، فحين صحح الإمام أبو عيسى رحمه الله تعالى حديث الرباب عن سلمان فهذا توثيق للرباب لأن الخبر لم يثبت من وجه آخر عن غير الرباب.
أتبع المؤلف رحمه الله تعالى هذا الخبر المعلول بحديث حفصة عن الرباب قال حدثنا محمود بن غيلان أخبرنا وكيع أخبرنا سفيان عن عاصم الأحول حدثنا هناد أخبرنا أبو معاوية عن عاصم الأحول عن حفصة ابنة سيرين عن الرباب عن سلمان بن عامر الضبي عن النبي صلى الله عليه وسلم (إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور) . فقد رواه سفيان عن عاصم الأحول، ورواه أبو معاوية عن عاصم الأحول، وقال أبو حاتم وروى هذا الحديث هشام بن حسان وغير واحد عن حفصة عن الرباب عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحين سئل الإمام أبو حاتم رحمه الله تعالى عن هذا الطريق وطريق حماد عن سلمه عن عاصم قال جميعًا صحيحان.
وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى حديث سعيد بن عامر وهمٌ وهِمَ فيه سعيد بن عامر والصحيح حديث عاصم عن حفصة بنت سيرين، وأبو معاوية هذا محمد بن خازم الضرير وهو من أوثق الناس في الأعمش وفي غير الأعمش قد يغلط ويخطئ.
قال أبو عيسى على هذا الخبر وهذا حديث حسن صحيح وجزم بصحته غير واحد وهذا الذي يفهم من كلام البخاري وأبي حاتم صححه ابن خزيمة وابن حبان وهذا أصح حديث في هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم.
(إذا) ظرف لما يستقبل من الزمان وهي بمعنى الشرط.
(أفطر أحدكم) أي عقب الصيام سواء كان الصوم نفلًا أم واجبًا.
(فليفطر) الفاء رابطة لجواب الشرط، وقوله فليفطر هذا أمر والأمر في قول الجمهور في هذا الحديث للندب، وقد قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحة (باب يفطر بما تيسر بالماء وغيره) وذكر حديث عبد الله بن أوفى قال سرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم فلما غربت الشمس قال (أنزل فأجدح لنا) الحديث. وقد أشار به البخاري رحمه الله تعالى إلى أن الأمر ليس للوجوب خلافًا لابن حزم رحمه الله تعالى حين قال بأن الأمر واجب وهذا فيه نظر من وجوه:
الوجه الأول: أن الفطر غير واجب لأنه قد يفطر حكما، ً فبالتالي يكون ما يترتب عليه غير واجب إذا لم يكن الفطر واجبًا فكيف يقال بأنه يجب أن يفطر على كذا أو كذا ..
الأمر الثاني: أن الأحاديث الأخرى أفادت بأنه لا يجب الإفطار على التمر ولو مع وجوده، فعلم أن الأمر للندب وليس للإيجاب.
الأمر الثالث: أن ليس كل أمر يحمل على الوجوب بإطلاق، وإذا خلا الأمر عن القرائن وكان في الأحكام فإنه يفيد الوجوب عند الجمهور، وهؤلاء الجمهور يقولون بأن الأمر إذا كان في الآداب فإنه لا يفيد الوجوب أو إذا دلت قرينة على أن الأمر ليس للإيجاب وفيه صوارف أخرى تفيد أن الأمر للاستحباب، ولذلك من الوجوه في هذا الباب أن الأمر جاء في بيان ما يفطر عليه، ونحن نعلم أن الإفطار غير واجب هذه قرينة واضحة وقوية على أن التمر غير واجب.
قوله (فليفطر على تمر) والفطر على تمر مسنون، وشُرِعَ الإفطار على التمر لأنه حلو والصيام يذهب المواد السكرية من الجسم وهذا هو الذي يسبب لبعض الصائمين الكسل والهزال، فحين يفطر على الحلو يعيد للجسم قوته وحيويته والسكريات التي يفتقدها الصائم في الصيام، وهذا ما أثبته الطب الحديث ففيه علم من أعلام النبوة، وفيه أن الاكتفاء بالعلم الموافق للأدلة والأخذ بالدليل نجاة سواء وافق ما دل عليه العلم الحديث أو لم يوافق، ولكن العلم المبني على أصول صحيحة لا يمكن أن يختلف مع الأحاديث والنصوص كما أن العقل السليم لا يختلف مع النصوص الصحيحة.
وإذا تعارض نص لفظ وارد ... والعقل حتى ليس يلتقيان
فالعقل إما فاسد ويظنه الرائي ... صحيح وهو ذو بطلان.
أو أن ذاك النص ليس بثابت ... ما قاله المعصوم بالبرهان.
كثير من الصائمين يفطرون على المواد الحارة لأن النفوس تتوق إليها وتشتهيها ويعرضون عن التمر والماء وهذا وإن كان مباحًا لكنه مضر طبًا، لأن المعدة إذا كانت خالية بحاجة إلى ما يعيد قوتها ولا يمكن استعادة القوة إلا بالتمر أو بالماء، ولذلك ينصح الأطباء بالماء على