قال أبو عيسى رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن إسماعيل أخبرنا إبراهيم بن المنذر أخبرنا إسحاق بن جعفر بن محمد (وهذا هو الهاشمي) وهو صدوق، قال حدثنا عبد الله بن جعفر وهذا هو بن عبد الرحمن بن المسور وهو من رجال مسلم والأربعة، عن عثمان بن محمد هذا هو الأخنسي عن المقبري، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون) ، قال أبو عيسى هذا حديث غريب حسن، وقد رواه أبو داود وغيره من طريق محمد بن المنكدر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون) .
وقد قيل بأن ابن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة نص عليه البزار وغيره، ورواه الترمذي من طريق يحي بن اليمان عن معمر عن ابن المنكدر عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم (الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحي الناس) .
ويحي بن اليمان كثير الغلط ولعله غلط في جعله من مسند عائشة، والصواب ما رواه يزيد بن زريع عن معمر عن بن المنكدر عن أبي هريرة، وابن المنكدر في سماعه من أبي هريرة نظر، ولا أعلم في هذا الباب شيئا ثابتًا إلا إن كان طريق عبد الله بن جعفر عن عثمان بن محمد الأخنسي عن المقبري عن أبي هريرة وهو أصح شيء ورد في هذا الباب.
وقوله (الصوم يوم تصومون) قيل بأن معناه إشارةً إلى أن الخطأ مرفوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، حين يجتهدون في رمضان فيخطئون فيعذرون حين يجتهدون في توقيت يوم عرفة فيخطئون فيعذرون، وقيل أن المعنى هو الإشارة إلى أن يوم الشك لا يصام احتياطًا إنما يصوم حيث يصوم الناس.
وقال أبو عيسى في معنى هذا الخبر إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس وهذا يعني إنه إذا رأى الهلال وحده وتحقق الرؤية ولم تقبل شهادته أو لم يقدر على إيصالها إلى أهل الشأن فإنه لا يصوم وحده ولا يفطر إلا مع الناس، واختار هذا الفهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، لأن الله أمر بالصوم من شهد الشهر والشهود لا يكون إلا لشهر اشتهر بين الناس، وذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى إلى أنه يصوم سرًا إذا رأى الهلال وحده ويفطر سرًا، وذهب الجمهور إلى أنه يصوم سرًا ولا يفطر إلا مع الناس، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك والمشهور عن الإمام أحمد، وهذا قول قوي فله إذا رأى الهلال وحده ثم لم تقبل شهادته أن يصوم وحده، وحين يرى الهلال هلال شوال وحده ولم تقبل شهادته يجب عليه أن يصوم مع الناس لأنه يجب في هذا شاهدان وفي الدخول يكتفى بشاهد واحد، والذي قاله غير واحد من الفقهاء بأنه يصوم سرًا حتى لا يوجد تشويش على الناس.
-وهل يجب عليه أن يصوم سرًا أم يستحب.
قولان للعلماء منهم من أوجبه وقال يجب عليه أن يصوم سرًا لأنه رأى الهلال وتحقق الرؤية فلزمه أن يصوم والله يقول {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} البقرة185،وهذا شهده وتحققت رؤيته الله أمر بالصوم، وقالت طائفة أنه مستحب غير واجب لاحتمال خطأه في الرؤية ولأن الشهر من الشهرة، فيستحب في حقه ولا يجب عليه، وهذا الصوم يجزئه عن وجود غرة فيما لو وجدت في المستقبل، ولعل القول بالاستحباب قول قوي لا يقال بأنه واجب عليه أن يصوم، ومن قال بأنه واجب فله وجهه وله أدلته وهو مذهب قوي، أنتم تعلمون قبل قليل أنه فيه من قال لا يصوم أبدًا لأن الصوم حيث يصوم الناس وهذا ما تقدم هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أخذًا بظاهر حديث الباب وذلك بقول (الصوم يوم تصومون) ، هذا إشارة إلى الجمع وأن الشهر مأخوذ من الشهرة بين الناس ويؤخذ من هذا الحديث بعض المسائل:
المسألة الأولى: استحباب ترائي الهلال، وتقدم أنه فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين.
ويؤخذ من هذا فقه أبي عيسى رحمه الله تعالى حيث بوب (أن الفطر حيث تفطرون) ولم يبوب أن الصوم حيث تصومون، لأن الصوم قد يكتفى فيه بواحد بخلاف الفطر فلابد مع الناس، هذا الذي أرجحه في تبويب أبي عيسى رحمه الله تعالى حين أعرض عن أول الحديث وذكر آخره.
ويؤخذ من حديث الباب أنه لو أن قومًا اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين فلم يفطروا حتى استوفوا العدد ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعًا وعشرين فإن صومهم وفطرهم ماضٍ لا شيء عليهم فيه.
وأخذ منهم الخطابي، وشيخ الإسلام، وجماعة، بأن الناس لو لم يقفوا بعرفات إلا اليوم العاشر غلطًا أن هذا يجزئ عنهم.