وفي البابِ عن أَنسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
الشرح:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه:
قال الإمام أبو عيسى الترمذي رحمه الله تعالى في كتاب الصيام (باب ما جاء في التشديد في الغيبة للصائم) هذا الباب معقود لبيان تحريم الغيبة وقول الزور والعمل به على الصائم وهي لغير الصائم محرمة غير أن ارتكاب هذه الأمور في الصيام أشد وقد كان أئمة السلف في رمضان يجلسون في المساجد ويقولون نحفظ صيامنا فكانوا يجتهدون في رمضان في العبادة ما لا يجتهدون في غيره ويجتهدون في حفظ اللسان وتطهيره من الغيبة و النميمة والكذب أكثر من الاجتهاد في غيره لأنه جاء من الترهيب من هذه الأمور في رمضان ما لم يأت في غيره من الشهور وقد ذهب الأئمة الأربعة وغيرهم إلى أن الغيبة وإن كانت محرمة للصائم وغيره إلا أنها لا تفطر لأنه لم يأت دليل عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتفطير بالغيبة أو النميمة أو بشيء من المحرمات باستثناء ما جاء من الأكل والشرب والجماع فهذه الأمور مجمع على كونها تفطر الصائم وفيه بعض الأمور المختلف فيها، الغيبة ذكرك أخاك بما يكره وقد جاء في صحيح مسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي مولاهم عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنهم قال سئل رسول الله أو قال النبي صلى الله عليه وسلم أتدرون ما الغيبة، قلنا الله ورسوله أعلم وفيه رد العلم إلى عالمه وأن من سئل عن ما لا يعلم من الأمور الشرعية يقول الله ورسوله أعلم وإذا سئل عن الأمور الكونية إذا سئل رجل هل قدم زيد يقول الله أعلم إذا كان لا يدري ويحرم عليه أن يقول الله ورسوله أعلم وما يدري الرسول عن قدوم زيد لأنه لا يعلم الغيب ومعنى الله ورسوله أعلم في الأمور الشرعية (الله) أي الرد إلى كتابه (ورسوله) أي الرد إلى سنته ففيهما الهدى والنور قال صلى الله عليه وسلم ذكرك أخاك بما يكره قيل يا رسول الله أرأيت إن كان في أخي ما أقول قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته قال تعالى {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} الأحزاب58،الغيبة تكون بالكلام وتكون بمحاكاة الفعل قد تكون بالإشارة بالطرف أو باليد والغيبة مراتب بعضها أشد من بعض وقد استثنى العلماء رحمهم الله تعالى بناء على الأدلة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بعض المسائل من الغيبة وذلك بضوابط عندهم وشروط قد قال بعضهم:
والقدح ليس بغيبة في ستة ... متظلم ومعرف ومحذر.
ولمظهر فسقا ومستفت ومن ... طلب الإعانة في إزالة منكر.
قال أبو عيسى حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى أخبرنا عثمان بن عمر قال وحدثنا بن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه. قال وفي الباب عن أنس حديث أنس أخرجه الطبراني في (الأوسط) قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح، وقد رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه وتفرد به عن مسلم قال حدثنا آدم بن أبي إياس قال حدثنا ابن أبي ذئب قال حدثنا سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه عن أحمد بن يونس قال حدثنا ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة وفيه (والجهل) . أي (من لم يدع قول الزور والجهل والعمل به) .
ترجم الإمام أبو عيسى (باب ما جاء في التشديد في الغيبة) وليس في الحديث لفظ الغيبة، وقد قال جماعة من العلماء إن المعنى أو المقصود بقول الزور أي الغيبة وغيرها من المحرمات فترجم أبو عيسى لبعض أفراد المعنى، وهذا كثير في كلام السلف سواء كان في تفسير كلام الله أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم يفسرون الشيء ببعض أفراده كما في تفسير قوله جل وعلا {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} النساء51،منهم من قال الجبت الشيطان ومنهم من قال السحر ومنهم من قال غير ذلك قال تعالى {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} الفرقان72،قيل لا يشهدون شعانين المشركين ولا يحضرون أعيادهم وقيل"ولا يشهدون الزور"أي لا يشهدون شهادة الكذب ولا ينطقون بالباطل وهذا قول الأكثر لأن قول الزور هو الكذب، والكذب مراتب والغيبة هي من قول الزور فإن من قال الكذب أو نطق بما يبغضه الله أو يبغضه رسوله صلى الله عليه وسلم فإنه قد قال الزور.