قوله (من لم يدع) أي يترك (قول الزور) أي الكذب وجميع ما يبغضه الله ويبغضه رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن هذا الخبر ليس حصرًا في هذه الأمور فهذا تنبيه على ما عداها ففيه ما هو أعظم من قول الزور كأكل الربا وكالزنا، شرب الخمر فإن هذه الأمور يجب تركها والبراءة منها سواء كان في رمضان أو في غيره ولكن تعاطيها في رمضان أشد منه في غيره.
قوله وفي الرواية الأخرى (والجهل) الجهل أي السفه فلا يجهل على الآخرين ولا يجرح كرامات الآخرين ويسيء إليهم بالباطل أو يقول على الله ما لا يعلم.
(والعمل به) أي العمل بالزور أو العمل بالجهل فهذا كله محرم وفي الصيام أشد حرمة غير أن هذه الأمور لا تفطر الصائم ولكنها تنقص ثوابه.
قيل للإمام أحمد رحمه الله تعالى أتفطر الغيبة الصائم، قال: (لو كانت الغيبة تفطر الصائم لم تجدنا صائمين) قال ذلك تواضعا وهو هو بحفظ لسانه وتقواه لربه، وهذا كثير في كلام السلف يتواضعون في ألفاظهم وفي تعاملهم وفي نفس الوقت يكون هذا تعليمًا للآخرين بوجوب حفظ اللسان، وفي نفس الوقت هي فتوى شرعية بأن الغيبة لا تفطر وهذا الذي اتفق عليه الأئمة الأربعة رواية واحدة عنهم بخلاف الإمام أبي محمد بن حزم رحمه الله فإنه يرى أن الغيبة تفطر الصائم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (فليس لله حاجة بأن يدع طعامه وشرابه) فترجم لهذا الخبر بأن الغيبة مفطرة للصائم وهذا فيه نظر.
وقوله (فليس لله حاجة) أي ليس له مفهوم لأن الله غني عن العباد وغناه مطلق من كل وجه قال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} فاطر15، الغني: الغنى المطلق، فإن الله غني عن العباد غنًا مطلقًا سواء تركوا هذه الأمور أم لم يتركوها ولكن هذا إشارة إلى الوعيد الشديد على من لم يترك قول الزور والجهل والعمل بذلك لأن هؤلاء يمسكون عن الأكل والشرب وهما حلالان في غير وقت الصيام ويفطرون على ما حرم الله عليهم مطلقًا فيفرون في أعراض المؤمنين والمؤمنات ويأكلون الربا ويروجونه ويشاهدون الخنا في القنوات الفضائية.
قوله (فليس لله حاجة بان يدع طعامه وشرابه) أي فليس لله في عبده حاجة بحيث يدع طعامه وشرابه وإن كان الصيام يُسقط عنه الواجب لكنه ناقص الأجر والثواب، والناس يتفاوتون في الصيام على قدر تفاوت أداء هذا الواجب وأداء هذا الفرض وهذا تابع لمعتقد أهل السنة والجماعة بان الناس يتفاوتون في الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص، ويؤخذ من هذا الحديث تفاضل أهل الإيمان بالإيمان ففيه الرد على المرجئه وفيه الرد على الخوارج وجه هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، ففيه أنه لم يكفر بهذه الأمور لأنه لما قال فليس لله حاجة أن يدع ويدع أمره وشأنه فاقتصر الترك على الأكل وعلى الشرب ففيه الرد على الخوارج، ولا يختلف أهل السنة والجماعة بأن الإيمان قول وعمل قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح والتعريف المشهور أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان هذا تعريف ناقص لأنه أخرج من ذلك أعمال القلوب لأن قول القلب غير عمل القلب، قول القلب هو تصديقه وعمل القلب هو حبه وخوفه ورجاؤه وولاؤه وبراؤه ولا يختلف أهل السنة أن الأعمال شرط للإيمان ومعنى هذا عند أهل السنة أي أن جنس العمل، وليس معنى هذا المفردات أن كل عمل شرط للإيمان المقصود الجنس لأنهم لا يختلفون أن من شرب الخمر لا يكفر أن من زنا لا يكفر أن من اغتاب لا يكفر أن من تعاطى النميمة لا يكفر ما لم يستحل محرمًا مجمعًا على تحريمه، والإيمان عند أهل السنة يزيد وينقص ونقصه مراتب منه ما ينافي أصل الإيمان ومنه ما ينافي كماله الواجب ولا يختلف أهل السنة على أن من مات مصرًا على كبيرة أنه تحت المشيئة لقول الله جل وعلا {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} النساء48،فهذه الآية فيها رد على المرجئة ورد على الخوارج،"ويغفر ما دون ذلك"رد على الخوارج"لمن يشاء"رد على المرجئة، وأن من عذب من أهل الكبائر فإنه لا يخلد في النار وهذا الحديث فيه الترهيب الشديد من المحرمات من تعاطي المحرمات وفعل المحرمات وقول الزور والغيبة والنميمة وأكل الربا ونحو ذلك وأن هذه الأمور محرمة في كل وقت وفي كل حين وهي في رمضان أشد حرمة، ويؤخذ من هذا أن بعض أئمة السلف يفسرون بعض المعاني ببعض أفرادها وهذا كثير في كلامهم ويؤخذ من هذا أن ليس لله حاجة بعبادة فهم الفقراء إليه ولكنه أمرهم ونهاهم ويحب الله جل وعلا من يطيعه ويبغض من يعصيه وهو في كل هذا مستغن عنهم لا يحتاج إلى أحد منهم فإنه قد خلقهم ليعبدوه كما في قول الله جل وعلا {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات56، أي يوحدون، وقيل لآمرهم وأنهاهم، فلم يخلقهم من قلة فيستكثر بهم ولا من ضعف فيستنصر بهم ولا من وحده فيستأنس بهم فهو الغني عنهم.