قوله صلى الله عليه وسلم (تسحرو ا) هذا أمر وقد ذهب أكثر الأصوليين والفقهاء إلى أن الأمر في الأحكام للوجوب والأمر في الآداب للاستحباب وهذا يعتبر حكما والأصل في الأوامر والأحكام الوجوب ما لم يمنع من ذلك مانع والصوارف كثيرة وقد جزم غير واحد من الأئمة أنه لا يشترط في الصوارف أن تكون في القوة كقوة الأمر وهذا صنيع كثير من الأئمة يأخذون بأدنى صارف.
طائفة من العلماء يرون التفريق بين تواتر الأدلة في معنى معين بكثرة الأوامر وبين وجود معنى جاء في حديث واحد فإن هذا قد يقتصر فيه على صارف يسير بينما لو تواترت الأدلة في معنى من المعاني في الأمر أو في النهي فلا نكتفي بالصارف أن يكون أدنى شيء لا بد أن يكون الصارف قويًا إذن نعتبر ذلك في الحقيقة في سياق الكلام ومدى قوة الصارف فلا نحكم في ذلك بحكم مطلق عام قال وفي المراقي: وأفعل لدى الأكثر للوجوب ... وقيل للندب أو المطلوب
وقيل للوجوب أمر الرب ... وأمر من أرسله للندب
هذا إشارة إلى مذاهب أهل العلم رحمهم الله تعالى ومعروف أن المراقي في المذهب المالكي في الأصول ولكنه يشير تارة رحمه الله تعالى إلى مذاهب الأئمة، (وأفعل) أي صيغة أفعل ليس المقصود هذا اللفظ أي صيغة أفعل ما كان أمرًا لدى الأكثر في جميع المذاهب للوجوب، (وقيل للندب) (أو المطلوب) وقيل للوجوب أمر الرب وأمر من أرسله للندب وفيه غير ذلك لم يذكره المؤلف رحمه الله تعالى.
وقوله صلى الله عليه وسلم (تسحروا) هذا أمر الأصل فيه الوجوب ولكن أفادت الأحاديث الأخرى أن السحور غير واجب فبقي الأمر على الندب وحكاه ابن المنذر والنووي وجماعة إجماعًا.
السحور يتأتى في الطعام والشراب لأن السحور هو ما يتسحر به من الطعام أو الشراب.
قوله (فإن في السحور بركة) بركة أي بركة دينية وبركة دنيوية وقد ندرك بعض معاني هذه البركة وقد لا ندرك بعض هذه المعاني فمن البركة تطبيق السنة والعمل بمقتضياتها فإن الناس لا يزالون بخير ما داموا يبحثون عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعملون بمقتضاها، ومن جميل كلام سفيان رحمه الله قال إن استطعت أن لا تحك رأسك إلا بأثر فأفعل. وحكي عن عدد كبير من أئمة السلف أنهم يقولون لم يبلغنا شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عملنا به، ومنهم من يستثني بعض المسائل اليسيرة ومنهم من استثنى أنه ما استطاع أن يطوف على الدابة، ومنهم من استثنى أنه ما استطاع أن يعتق أمه فيجعل عتقها صداقها، أشياء تعد بالأصابع ونحن الأشياء التي لم نعمل بها بقدر عدد شعر الرأس، والسر في هذا والفرق بين هؤلاء الأئمة وبين من جاء بعدهم أن هؤلاء يطلبون العلم للعمل كما قال الشعبي وغيره (كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به) فلا يطلبون العلم لوظيفة ولا لمنصب ولا لجاه ولا لشهرة ولا لكي يجاروا به السفهاء ولا ليماروا به العلماء أو يسترزقوا به إنما يطلبون العلم ابتغاء مرضاة الله، ومن البركة مخالفة أهل الكتاب فنحن مأمورون بمخالفتهم ومنهيون عن التشبه بهم، وإن كانت طائفة من هذه الأمة يأخذون مأخذ الأمم السابقة شبرًا بشبر وذراعًا بذراع وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا وهو خبر من النبي صلى الله عليه سلم والخبر لابد أن يقع الخبر في الصحيحين من رواية زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد الخدري، إلا أن هذا لا يعني التسليم بالأمر أو عدم الإنكار على من فعل وتعاطى هذا فنحن مأمورون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومأمورون بالاجتهاد في مخالفة أهل الكتاب والبعد عنهم وكل منا يبحث عن نجاة نفسه لأن من تشبه بقوم فهو منهم، وقد جاء في حديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن حسان بن عطية عن أبي منيب الجرشي عن بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحديث وفيه (من تشبه بقوم فهو منهم) وهذا الخبر إسناده حسن وقال عنه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في الاقتضاء إسناده جيد، وظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم وأقل أحواله التحريم، ومن البركة أنه إذا تسحر دفع عن نفسه الجوع والعطش لأن الصائم إذا حصل له الجوع والعطش أدى به إلى الكسل والفتور وهذا يؤدي إلى تفويت كثير من العبادات إذن في السحور بركة وهي التقوي على العبادة، ومن فوائد السحور أنه قد يأتي ضيف فيتسحر معه فيأخذ أجره ويأتي فقير فيتسحر معه فينال ثوابه وفيه غير ذلك من معاني البركة.
ويؤخذ من هذا الحديث أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان ففيه الرد على المرجئة لأنه إذا تسحر أجر إذن هذا عمل يؤجر على العمل وأن العمل داخل في مسمى الإيمان، وفيه أنه لا يجوز عزل الحديث عن الأحاديث الأخرى وأن النصوص يضم يعضها إلى بعض ويستخلص من ذلك حكم شرعي، وطوائف من الناس لا يكلفون أنفسهم البحث أو لا يجدون سبيلا إلى التفقه في هذه المعاني فيأخذون بحديث ويبطلون معاني الأدلة الأخرى وهذا غلط وجهل فنضم هذا الحديث إلى غيره حتى نستخلص المعنى المطلوب فحين نأخذ بهذا الحديث ونعزله عن الأحاديث الأخرى نقول بأن السحور واجب وهذا خلاف ما حكاه بن المنذر وغيره من الاجماع الإجماع