ولو لم يرد اجماع في هذا فالأدلة قوية في أن السحور غير واجب حين نضم هذا الحديث إلى الأحاديث الأخرى نستخلص أن السحور غير واجب إذن الأحاديث يضم بعضها إلى بعض وتستخلص المعاني من ذلك.
قال أبو عيسى رحمه الله تعالى وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فصل بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أَكَلَةُ السحر قوله (وروي) هذه الصيغة عند المتأخرين صيغة تمريض تطلق هذه الصيغة على الحديث الذي فيه ضعف وفيه لين، والإمام أبو عيسى قال (ورُوي عن النبي) وهو حكم على الحديث بأنه صحيح وهذه طريقة الأئمة السابقين يطلقون صيغة رُوي على الصحيح وهذا كثير في صنيع البخاري والأئمة المتقدمين حيث تطلق هذه الصيغة في كلام أحمد أو البخاري أو مسلم أو أبي عيسى أو أبي داود وهؤلاء الحفاظ هم لا يعنون بها الحديث الضعيف وإن كان الاصطلاح عند كثير من المتأخرين على أن هذه الصيغة للضعيف ولكن فيما ورد من كلام المتأخرين وليس فيما ورد في كلام المتقدمين.
(حدثنا بذلك قتيبة علقه أبو عيسى) ثم وصله، قال حدثنا بذلك أي بحديث (فصل ما بين صيامنا) ،قتيبة وهو ابن سعيد أخبرنا الليث وهو ابن سعد عن موسى بن عُلي بضم العين على الصحيح عن أبيه عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص يقال العاصي عن عمرو بن العاصي عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، قال أبو عيسى وهذا حديث حسن صحيح وقد رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه قال حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث هذا رواه مسلم بنفس سند أبي عيسى قال أبو عيسى وأهل مصر يقولون موسى بن عَلي بفتح العين وأهل العراق يقولون موسى بن عُلي بن رباح اللخمي وقد كان أمير مصر لأبي جعفر المنصور ست سنين وقد وثقه الإمام أحمد وابن معين والبخاري وأبو حاتم وابن سعد وقد خرج له الإمام البخاري في الأدب المفرد ومسلم والأربعة.
قوله (فصل ما بين صيامنا) يحتمل أن تكون (ما) هنا زائدة ويكون المعنى الفارق بين صيامنا وصيام أهل الكتاب السحور وهذا الحديث يصلح دليلًا لما قررت فيما مضى أنه ليس كل تشبه بالكفار يكون محرما وهذا من أقوى الأدلة في هذا الباب لأن الذي لا يأكل أكلة السحور يكون قد تشبه بأهل الكتاب ولم يرتكب محرمًا بالإجماع قرره ابن المنذر والنووي وجماعة، وقلت هذا الذي يعبر عنه بكثرة شيخ الإسلام وغيره من الأئمة ويعبرون عن بعض الأمور لتشبه بالكراهية كقول جماعة من الأئمة على قوله صلى الله عليه وسلم (صلوا بالنعال فإن أهل الكتاب لا يصلون) يقولون يستحب الصلاة بالنعال ولا يقولون يجب مع أن الذي لا يصلي بالنعال يكون قد تشبه بأهل الكتاب ولم يأثم كقول طائفة من الأئمة منهم ابن تيمية وهو أكثر شخصية علمية تحدثت عن النهي عن التشبه بأهل الكتاب أنه يجوز إفراد عاشوراء مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع) لماذا، مخالفة لأهل الكتاب مع هذا يقول شيخ الإسلام بجواز إفراد عاشوراء ومنهم من قال يجوز إفراده، يجوز المخالفة ولو مرة واحدة في العمر بحيث أنه يخالف مرة واحدة في العمر وما عدا ذاك يجوز أن يفرد عاشوراء نحن نتحدث عن رأي ابن تيمية يقول يجوز إفراد عاشوراء ولكن الغالب على أن أمور التشبه تكون محرمة ومن ذلك البدعة لا تكون إلا محرمة في الأصل ومنهم من يمتنع عن هذا الإطلاق، الأصل في ذلك التحريم لقوله صلى الله عليه وسلم (إن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) نتحدث عن هذه المسألة إن شاء الله حين نصل لأدنى مناسبة في التعليق على هذه القضية.
نحن نتحدث الآن على فضل أكلة السحر وأن السحور فيه مخالفة لأهل الكتاب وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى وفيه أن مخالفة هؤلاء غاية مقصودة للشارع ويؤخذ من هذا مشروعية الولاء والبراء ويؤخذ من هذا أن الولاء والبراء كما يكون بالقلب يكون بالفعل، ويؤخذ من هذا أن دين الإسلام دين مغاير لما عليه اليهودية والنصرانية ولذلك لا يختلف العلماء أن من سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم من اليهود أو النصارى ثم لم يؤمن به أنه من أصحاب النار جاء هذا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا يسمع به أحد من هذه الأمة لا يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بما أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) فالذين الآن يعممون ويقولون عن اليهود والنصارى بأنهم إخوان لنا ويقولون نخسر الأخوة الطينية هذا غلط وتلبيس والذين يقولون بأن اليهود والنصارى لا نختلف معهم لأنهم يؤمنون برب ونحن نؤمن برب ويحاولون التقريب بين اليهودية والنصرانية وبين الإسلام بمعنى يذوب كل دين بالدين الآخر هذا ضلال وانحراف والذين يمتنعون عن تكفير اليهود والنصارى ويسمونهم أهل الكتاب ويقولون لا نطلق عليهم بأنهم كفار هؤلاء ضالون ومنحرفون ومن قامت عليه الحجة من هؤلاء فهو كافر بالله جل وعلا لأن الله سماهم كافرين ولا يختلف العلماء أن هؤلاء هم أصحاب السعير لذلك أمر الله بقتالهم حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ومن امتنع عن دفع الجزية وجب قتاله نحن ندعوهم إلى لإسلام فإن امتنع يطلب منه الجزية فإن امتنع يقاتل إذا كان في ذلك قدرة وسبيل إلى قتالهم ويؤخذ من هذا الحديث أيضا زيادة على فضيلة السحور بأن الأعمال