(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة/187] ،وقال صلى الله عليه وسلم والخبر في الصحيحين (إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا فقد أفطر الصائم) .
قوله (حتى بلغ كراع الغميم) كراع بضم الكاف وفتح الراء والغميم بفتح الغين وهو وادي أمام عسفان.
قوله (صام الناس معه) لأنهم لا يختلفون عن رسول الله في أمر فعله وهم محبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومتشوقون لفعله ليقتدوا به وهم أكثر الناس عملا بقوله جل وعلا {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} الأحزاب21،ومن عجائب ما نقل عن هؤلاء القوم الذين اصطفاهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلًا.
أن عبد الله بن رواحه حين ذهب إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في المسجد ويقول أيها الناس اجلسوا فجلس خارج المسجد امتثالًا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيما بعد بفعله فقال (زادك الله طواعية لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم) ، وهذا جاء من رواية عروة وعروة لم يحضر الواقعة لعله أخذ هذا عن بعض الصحابة فقيل له أي فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن الناس قد شق عليهم الصيام فهم يصومون اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ولحقهم من جراء ذلك مشقة ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يلحقه شيء من هذا في الصيام سواء كان في الحضر أو في السفر وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم (أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني) وليس هذا الطعام حسيًا كما يتصوره البعض هذا غلط.
قوله (وإن الناس ينظرون فيما فعلت) : وإن الناس لعله يتحدث عن الأكثرية ففيه جواز إطلاق الكل والمقصود البعض كقول الله جل وعلا {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ} التوبة30،أي قالت طائفة من هؤلاء وكقول الله جل وعلا {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} آل عمران173،الذين قال لهم الناس قاله طائقة من الناس وليس كل الناس.
قوله (فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون إليه) : فيه معنى قول الله جل وعلا {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} التوبة128، (من أنفسكم) أي من أنفسكم وقيل من أنفسكم أي من جنسكم (عزيز عليه ما عنتم) أي يعز عليه ما يعنت أمته عليهم ويشق عليهم. (حريص عليكم) على هدايتكم (بالمؤمنين رؤوف رحيم) فهذا وصفه في التوراة والإنجيل والقران فحين بلغه صلى الله عليه وسلم أن الناس قد شق عليهم الصيام وأنهم ينظرون في فعله دعا بقدح وشرب أمام الناس لكي يروه ويفطروا ويؤخذ من هذا أنه يجب على والي أمر المسلمين أو على أمير السرية والرعية أن ينظر في شؤونهم وأن يحرص على أن يبتعد عما يشق عليهم وأن لا يجلب عليهم الضرر ولا إليهم وأن يقوم على رعايتهم وعلى مصالحهم وفيه أن العالم إذا خرج ومعه أناس يقتدون فيه ويعمل أعمالا قد لا يطيقونها أنه يتركها مراعاة لمصالحهم لأن الذي يفعل الشيء ولا يطيقه قد يكون كالمنبتّ لا أرضًا قطع ولا ظهرا أبقى ويؤخذ من هذا أيضًا نقل الخبر إلى العلماء وإلى الولاة فيما فيه مصلحة للأمة، أما التجسس والنميمة والبحث عن إيقاع الناس فهذا حرام ولا يجوز ومن هذا القبيل الرجل المنافق الذي قال ما رأينا مثل قراءنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب السنا ولا أجبن عند اللقاء فقال له عوف بن مالك كذبت ولكنك منافق ولأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب واخبره فوجد القرآن قد سبقه فحين أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم لماذا تخبرني عن هذا نفاق أو هذه نميمة وسكت النبي صلى الله عليه وسلم وهذا إقرار منه.
وان أقر قول غيره جعل ... كقوله كذاك فعل قد فعل.
وما جرى في عصره ثم اطلع ... عليه إن أقره فليتبع.
ففرق بين نقل الحديث على وجه الإفساد وعلى وجه النميمة والغيبة والتفكه في أعراض الناس أو الترفع في ذلك أو التقرب إلى الآخرين بإيقاع المؤمنين وبين نقل الحديث أو نقل الواقع لمصلحة شرعية أو لمصلحة الأمة ولهذا في هذا الحديث ينقل واقع الناس وفي نفس الوقت يصور له واقعهم على الظاهر وأن الناس قد شق عليهم هو يبحث عن مصالحهم ولذلك هو لم يسم أحدًا يقول إن الناس ولم يقل إن فلانًا وفلانًا مع أنه يقصد بالناس البعض.
قوله (فأفطر بعضهم وصام بعضهم) هذا يؤكد أن المقصود بأن الناس قد شق عليهم أي أن بعض الناس قد شق عليهم ويحتمل أن يكون قصد أن الناس قد شق عليه فعلا ولكن لم يرد بعضهم الفطر وإن كان قد شق عليه (فأفطر بعضهم) إقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وصام بعضهم أي واصل بعضهم أي لم ينشئوا أصلًا لأنهم كانوا صائمين فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناسًا صاموا فقال (أولئك العصاة) ولفظ مسلم (أولئك العصاة أولئك العصاة) كرر ذلك مرتين ولعل لفظ مسلم أصح لأن عبد الوهاب بن عبد المجيد أوثق من عبد العزيز بن محمد وقد