فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 151

قال النبي صلى الله عليه وسلم (أولئك العصاة) لأنهم قد خالفوا فعله قد قال غير واحد من العلماء يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالفطر لمصلحة بيان جوازه والرفق بهم فخالف بعضهم هذا تأويلًا لا قصدًا، ظنًا منهم أن هذه رخصة للذين لا يطيقون وأما الذين يطيقون فلا حرج فقال النبي صلى الله عليه وسلم (أولئك العصاة) ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أولئك العصاة) لأن المشقة قد لحقتهم وأصابهم الضرر وفي نفس الوقت لا يزالون صائمين ولأن من لحقه ضرر من الصوم يجب عليه الفطر لأن هذا يعتبر من باب الحاجة أو من باب الضرورة ولذلك جزم غير واحد من العلماء أن من اضطر إلى أكل ميتة فلم يأكل ثم مات من الجوع فإنه في النار منهم مسروق والإمام أحمد وجماعة.

ويؤخذ من الحديث التغليظ في الإنكار وهذا الباب تراعى فيه المصالح وتُدرأ فيه المفاسد.

ويؤخذ من الحديث الفرق بين النوع وبين العين، فرق بين أن تقول فلان من العصاة وبين أن تقول أولئك العصاة هذا حديث عن النوع وليس عن العين، ولذلك يقال عمن أكل الربا لعن الله آكل الربا ولا يقال له أنت ملعون، لعن الله النامصة والمتنمصة، فإذا رأيت النامصة لا يقال للنامصة أنت ملعونة إنما يقال أنما لعن الرسول صلى الله عليه وسلم النامصة والمتنمصة فهذا حديث عن النوع دون العين والحديث عن العين له شروط وضوابط أدق من شروط النوع ومناسبة الحديث للترجمة قوله (أولئك العصاة) ففيه كراهية الصوم في السفر لمن لا يطيقه أو يلحقه من الصوم ضرر ومشقة وقد أشار الأمام أبو عيسى رحمه الله تعالى إلى بعض الأحاديث الواردة في الباب وقال وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ليس من البر الصيام في السفر) .

قوله (قد رُوي) هذه صيغة تمريض هذا الذي اصطلح عليه كثير من المتأخرين ولكن هذه الصيغة لا تعني التضعيف ولا تمريض الحديث عند المتقدمين وقد يطلقها أبو عيسى على الأحاديث المتفق على صحتها وأطلقه البخاري وجماعة من الحفاظ بدليل أن حديث الباب (ليس من البر الصيام في السفر) متفق على صحته من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فرأى زحامًا ورجلًا قد ظلل عليه فقال ما هذا؟ قالوا صائم فقال (ليس من البر الصوم في السفر) . فقد سيق الخبر لبيان واقع الحال وأن من لحقه في الصيام مشقة فليس من البر صومه في السفر وليس فيه دلالة على تحريم الصيام في السفر مطلقا ونظيره الحديث الأول ليس فيه دلالة على تحريم الصيام في السفر مطلقا لأن هذا وذاك قد قيل في واقع معين وواقع حال وقد جاء في مسند الإمام أحمد من حديث كعب بن عاصم الأشعري (ليس من أمبر أمصيام في أمسفر) وهذه الرواية شاذة، وقد قيل أن هذه لغة لبعض أهل اليمن يجعلون لام التعريف ميمًا فغير ذلك كعب بن مالك على لغته، وقيل أن النبي صلى الله عليه وسلم نطق بهذا وعلى كل سواء قيل هذا أو ذاك فالخبر ضعيف لأن الرواية شاذة وعلى فرض صحتها يحتمل أن يكون كعب بن عاصم نطق بها على ما يعرفه من لغتة فتلقى ذلك الراوي عنه ونقل ما سمع.

قال الإمام أبو عيسى رحمه الله تعالى اختلف أهل العلم في الصوم في السفر، في الإشارة إلى مذاهب العلماء وإلى أقاويلهم فوائد متعددة فمن ذلك البعد عن توهم الإجماع في مسألة من المسائل لأنه إذا عرف الخلاف عرف أنه ليس بمسألة إجماع.

الأمر الأخر: التأدب مع المخالفين، الأمر الثالث: عذر الأئمة المجتهدين وأن هذه هي أدلتهم وهذه مآخذهم لأن الذي لا يعلم إلا قولًا واحدًا يتعصب على الأقوال الأخرى. فإذا عرف الأقوال الأخرى وعرف أدلتهم عرف أنهم أئمة مجتهدون وأنهم يعذرون لذلك لأنهم لا يقصدون إلا الحق ولا يقصدون إلا الوصول إلى رضا الله ورضا الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يبحثون إلا عن إتباع الحق ولم يزل أئمة السلف يقولون فيما يوردون من مسائل الاجتهاد كلامنا صواب يحتمل الخطأ وكلام غيرنا خطأ يحتمل الصواب سواء كانت المسألة اجتهادية مبنية على استقراء النصوص وواقع معين أو مسألة اجتهادية مبنية على أدلة مختلفة وذهب بعضهم إلى بعضها وترك البعض الآخر لأسباب إما بدافع أنه يعتقد أنها منسوخة أو أنها ضعيفة أو غير ذلك أو أنها مبنية على الفهم فهذا يفهم من النص كذا وذاك يفهم من النص كذا وكذا، فمن علم تحرية للحق وعلم صدقه وورعه فإنه يعذر، فالحقيقة مهما كان حجم مخالفته مادام أنه يبحث عن الحق ويبحث عن الصواب ولا يتعمد المخالفة ولم تشم منه رائحة العبث أو الهوى ولا يعني هذا أنه لا يمكن نقده أو الرد عليه هذا لا مانع منه ولكن بأدب واحترام وحسن ظن بالمخالف.

دائمًا ما أذكر شروط النقد وهي خمسة وذلك باستقراء أدلة النبي صلى الله عليه وسلم وواقع العلماء:

الشرط الأول: العلم وله جهتان جهة متعلقة بالراد وجهة متعلقة بالمردود عليه.

الشرط الثاني: الإخلاص لأنه إذا كان رده للتكثر به أو لمجاراة العلماء أو لصرف الأنظار إليه كان وبالًا عليه ولم يكن فيه بركة وفي نفس الوقت لا يزال في سخط من الله ولاسيما والعياذ بالله إذا كان يقصد التشهير أو الترفع فكثير من الأقزام من صغار الأسنان من السفهاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت