يقفزون على أكتاف الأئمة والأكابر وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (حق على الله أن لا يرتفع شيء من أمر الدنيا إلا وضعه الله) قال صلى الله عليه وسلم (إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) وهذا وذاك حديثان صحيحان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الشرط الثالث: العدل الذي قامت به السموات والأرض العدل الذي يحبه الله ويحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحبه الناس أجمعون وضده الظلم والجور والحيد عن الصواب والبغي والعدوان وهذا مما يبغضه الله ويبغضه رسوله صلى الله عليه وسلم قال تعالى {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} الأنعام152.
الشرط الرابع: الإنصاف وهو اخص من العدل.
الشرط الخامس: الرحمة فإنه لا يمنع وهو ينقُد وهو يرد عليه أن يتمنى له الهداية والتوفيق ويحسن إليه وأن يعتبره أخًا ويعرف قدره ومكانته وأن يرحمه ويشفق عليه أن تزل قدمه بخلاف كثير من الذين يزاولون الردود فقد يفرح بعضهم لزلة فلان أو خطأ الآخر ليرد عليه ولذلك من علامة هؤلاء أن العبارة تحتمل أمرين يحملها على مافي نفسه وهذا خلاف الإخلاص والصدق وقد كان أئمة الهدى يرحمون المخالفين ويشفقون عليهم، وقد قال أحد أكابر أصحاب ابن تيمية رحمه الله تعالى قال يصف شيخه يا ليتنا لأصدقائنا كابن تيمية لأشد أعداءه وخصومه. وأكرر أن هذا لا يمنع النقد ولا يمنع الرد ولا يمنع بيان الصواب ولكن بفهم وعلم وإخلاص وصدق ونصح لله وللرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} الكهف65.
وقال أبو عيسى واختلف أهل العلم في الصوم في السفر فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أن الفطر في السفر أفضل هذا القول الأول في المسألة وهذا مذهب أحمد وإسحاق وجماعة يختارون الفطر في السفر مطلقًا ولا يوجيبونه لقوله صلى الله عليه وسلم (إن الله يحب أن تؤتى رخصه) وهو حديث جيد من حديث ابن عمر وقد صححه ابن خزيمة وجماعة.
القول الثاني: وإليه أشار بقوله / حتى رأى بعضهم عليه الإعادة إذا صام في السفر، وهؤلاء يوجبون الفطر في السفر ويقول ليس من البر الصيام في السفر وأن الذين يصومون في السفر يعتبرون آثمين ويعدون هذا الصيام غير مجزئ عن الفرض وهذا قول طائفة من أهل الظاهر تقدم أنه محكي عن عمر وابن عمر وأبي هريرة ومن التابعين الزهري والنخعي وهؤلاء يستدلون بقول الله جل وعلا {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} البقرة 185،وأن ظاهر الآية عليه العدة، وأجاب عن هذه الآية أكثر الأئمة بأن التقدير ومن كان مريضا أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر.
قال أبو عيسى وهو القول الثالث: وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم إن وجد قوة فصام فحسن وهو أفضل وإن أفطر فحسن وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وعبد الله بن مبارك ومعنى هذا القول أن من كان لا يشق عليه الصيام ويجد من نفسه قوة فإن الصيام أفضل من الفطر وإن أفطر لا حرج من ذلك وهؤلاء يعتبرون الصيام أفضل وهذا عكس مذهب الإمام أحمد أن الفطر في السفر أفضل.
القول الرابع في المسألة: هو مخير مطلقا إن شاء صام وإن شاء أفطر دون تفضيل لأحد القولين.
القول الخامس: أفضلهما أيسرهما.
وملخص ذلك يقال أنه يجوز الصيام والفطر لمن لا يشق عليه ذلك وأما الذي يشق عليه الصيام فالفطر واجب أو كان لا يشق عليه الصيام ولكن يلحقه ضرر سواء كان الضرر في الحال أو في المستقبل فإنه يجب عليه الفطر وإذا استوى الأمران فيه قوة على الصيام ويقدر على الصيام فهو مخير ولكن الفطر لعله أفضل لعموم أحاديث (إن الله يحب أن تؤتى رخصه) إذا كان الله يحب هذا فنحن نفعل ونسارع إليه ولكن قد يقترن بالأمر ما يجعل الصوم أفضل كما لو أنه أفطر فشق عليه القضاء في المستقبل لأن بعض الناس يسهل عليه الصيام في السفر ولا يشق عليه ولكن إذا أفطر صعب عليه في المستقبل القضاء فحينئذ نقول في حق هذا بأن الصوم أفضل لأنه لا يشق عليه ولكن يشق عليه القضاء في المستقبل وقال الشافعي إن من معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم (ليس من البر الصيام في السفر) .
وقوله (حين بلغه أن ناسا صاموا قال أولئك العصاة) قال فوجه هذا إذا لم يحتمل قلبه قبول رخصة الله تعالى فأما من رأى الفطر مباحًا وصام وقوي على ذلك فهو أعجب إلي تقدم توجيه هذه الأخبار وأن قوله صلى الله عليه وسلم"أولئك العصاة"أنه يحتمل أحد أمرين أنهم أمروا بذلك وخالف البعض اجتهادًا منه وظن أن الأمر ليس بواجب أو أنه ظن أن الأمر وقع فيمن شق عليه أو يعتبرون أنفسهم غير شاق عليهم أو غير ذلك من الأسباب وأما حديث (ليس من البر الصيام في السفر) تقدم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد رأى زحامًا ورأى رجلًا قد ظلل عليه