لقول الجمهور بأن الصوم والفطر في السفر مباحان فمن شاء صام ومن شاء أفطر ولكن من كان يشق عليه الصوم هذا يحرم وقد احتج الشافعي رحمه الله تعالى بهذا الخبر أن صوم الدهر وسرده غير مكروه لمن لا يخاف ضررًا ولا يفوت به واجبًا بشرط فطر يومي العيدين وأيام التشريق وهذا قاله طائفة من العلماء ولكن في الاحتجاج بحديث الباب نظر لأن هذا الحكم قد يلتمس من أدلة أخرى كما أنه يلتمس المنع من أدلة أخرى لكن لا نلتمس هذا الحكم من حديث الباب فإنه ليس فيه الدلالة الواضحة على كونه يصوم الدهر كله ومن الأدلة الدالة لقول الجمهور أن الصوم والفطر في السفر مباحان أورده المؤلف بقوله حدثنا نصر بن علي الجهضمي أخبرنا بشر بن المفضل عن سعيد بن يزيد أبي مسلمة عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان فما يعاب على الصائم صومه ولا على المفطر فطره وهذا الخبر رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في مثل هذا الإسناد قال حدثنا نصر بن علي الجهضمي فذكره ويؤخذ من هذا الخبر حرص الصحابة رضي الله عنهم على نقل العلم الذي تستفيد منه الأمة وفيه الاستفادة من العلماء وأهل الفضل في أسفارهم وفي شئونهم، وفيه حكاية واقع الصحابة من رحمة بعضهم بعضًا وعذر بعضهم بعضًا حيث قال فما يعاب على الصائم صومه ولا على المفطر فطره، وفيه الأدب مع المخالف وفيه احترام وجهة نظر الآخرين ما دامت مبنية على أسس وعلى أصول واضحة وفيه أنه لا حرج من الصوم في السفر ما لم يشق، وأنه لا حرج من الفطر، إذن يبقى الخلاف في الأفضل وليس في الحلال أو الحرام، وفيه أن هذا الحديث يوضح معنى قول الله جل وعلا {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} البقرة 185، ليس المقصود من الآية فالواجب عدة، وأن المعنى هو ما قاله الجمهور"ومن كان مريضًا أو على سفر فأفطر فعدة من أيام آخر"فالسنة توضح القرآن وتبينه وتوضحه، وفيه أيضًا أن الأحاديث لا تفهم معزولة عن نظائرها، حقيقة الفقه في الدين وحقيقة المعرفة حقيقة التبصر أن تضم الأحاديث بعضها إلى بعض لأن الذين يفهمون الأحاديث بعزلها عن الثانية بلا ريب أنهم ينحون منحى آخر في الترجيح، الصحيح أن تضم الأحاديث بعضها إلى بعض، أما إذا لم يبلغه الحديث الآخر فمعذور عند الله جل وعلا ولا يقال عنه ليس بفقيه، قد يكون فقيهًا لكن ما بلغه الحديث الآخر أما الذي يبلغه الحديث الآخر، ويحاول أن يأخذ بهذا دون ذاك فهذا قد يكون ناتجًا وليس بلازم عن قلة فقه أو عدم بصيرة بمعرفة مذاهب الأصوليين في مسائل ومراعاة أمور الترجيح لأن المرجحات تجاوزت عند الأصوليين أكثر من ثلاثمائة.
قال أبو عيسى حدثنا نصر بن علي أخبرنا يزيد بن زريع أخبرنا الجريري وأخبرنا سفيان بن وكيع أخبرنا عبد الأعلى عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا الصائم ومنا المفطر فلا يجد المفطر على الصائم ولا الصائم على المفطر وكانوا يرون أن من وجد قوة فصام فحسن ومن وجد ضعفاَ فأفطر فحسن، وهذا الخبر رواه مسلم أيضًا من طريق إسماعيل بن إبراهيم عن الجريري ورواه من طريق قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد دون آخره (وكانوا يرون) .
وسفيان بن وكيع المذكور في سند أبي عيسى سيئ الحفظ وهو ابن الإمام المشهور والحافظ الثقة المتفق على إمامته وجلالته وذلك أن سفيان بن وكيع ... [1] وراقه فنصح فلم ينتصح فترك حديثه، ولكنه لم يتفرد بهذا الخبر وهذا الحديث فيه دلالة لقول الجمهور بأن الصوم والفطر في السفر مباحان وأن الصحابة كانوا يسافرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنهم الصائم ومنهم المفطر فلا يجد أي لا يقع في قلب المفطر على الصائم، ولا يغضب أو يجد الصائم في قلبه شيئًا على المفطر ففيه فقه الصحابة وفيه رحمة بعضهم بعضًا وفيه الحرص على العلم وفيه حكاية واقع حالهم وشأنهم وفيه أن من المسائل ما يعذربه المخالف وفيه من المسائل ما لا يعذر به على حسب المسألة وعلى حسب المتكلم والمفتي في هذه القضية ولكن في هذا وذاك يجب مراعاة أدب الخلاف ووجود الرحمة التي تكون منبعثة من قلب مخلص وصادق يبحث عن الخير للناس أجمعين"وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم"
قوله (وكانوا يرون أن من وجد قوة فصام فحسن ومن وجد ضعفا فافطر فحسن) وهذا دليل لقول من قال بتفضيل الصوم لمن أطاقه بلا ضرر ولا مشقة تقدم أن من العلماء من قال أن الفطر والصوم سواء وهو مخير بين الأمرين دون ترجيح أحدهما على الآخر وتقدم أن الراجح في هذا هو التفصيل وأنه قد يكون الصوم مكروه على فلان دون الآخر أو محرما على فلان دون الآخر ولكن الذي يهمنا الآن أن الصوم والفطر في السفر مباحان لمن لا يشق عليه الصوم يبقى الخلاف في الأكمل والأفضل ويؤخذ أيضا من الحديث أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان قال أبو عيسى عن حديث الباب وهذا حديث حسن صحيح تقدم قبل قليل أن مسلمًا قد خرجه من طريق
(1) - في تهيب التهذيب قال ابن خزيمة عن سفيان بن وكيع: أن ورَّاقه أدخل عليه أحاديث فرواها فكلمناه فلم يرجع عنها فاستخرت الله وتركته.