بقوله وفي الباب عن أبي سعيد ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم للصحابة (إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم) قال أبو سعيد فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر ثم نزلنا منزلًا آخر فقال (إنكم مصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا) فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالفطر خشية أن يضعفوا فيستحوذ عليهم العدو ويستأصل شأفتهم وينال منهم وأما الفطر في الحضر الأصل عدمه الأصل أن من شهد الشهر فليصمه وليس له أن يفطر إلا إذا كان مريضًا بنص القران {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} البقرة185، فإن كان مريضًا أو على سفر أو كانت المرأة حائضا فهؤلاء يفطرون، المرأة يجب عليها الفطر والمريض يفطر إذا كان يلحقه ضررًا صار واجبًا والمسافر تقدم أنه مخير والمجاهد إذا كان يلحقه مشقة بالصوم أو أن الصوم يطمع العدو فيه أو يكون الفطر أقوى له في مواجهة العدو وصد عدوانه فهذه رخصة له في الفطر وإذا كان لا يطمع العدو أو لا يعلم عنه العدو ولا يشق عليه الصيام فليس له أن يترخص في الفطر لأن الأصل عدمه.
قال الإمام أبو عيسى رحمه الله تعالى حدثنا قتيبة وهو سعيد قال أخبرنا بن لهيعه وهو عبد الله بن لهيعه المصري وثقه طائفة وقالت طائفة بأنه حسن الحديث إذا روى عنه أحد القدامى من أصحابه بالذات العبادلة عبد الله بن وهب وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن يزيد المقري وقال الجمهور بأنه ضعيف مطلقًا لأنه سيء الحفظ وهذا قول يحي ورواية عن احمد وجماعة ولعله الأقرب إلى الصواب فإن عبد الله بن لهيعه سيء الحفظ وقد تقدم الحديث عنه في أوائل الجامع بتوسع وأن رواية العبادلة أحسن من غيرها وليست بصحيحة وسواء روى عنه أحد العبادلة أو لم يرو هو ضعيف ولكن رواية أحد العبادلة أو القدامى من أصحابه هي أحسن من غيرها وأعدل وقد فهم جماعة من المتأخرين من قول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى ورواية العبادلة أعدل من غيرها أن رواية العبادلة صحيحة ويوردون كلام الحافظ على إنه من الذين يذهبون إلى تصحيح رواية العبادلة عن ابن لهيعه وهذا الفهم فيه نظر، وهذا نظيره قول الأئمة وهذا أصح شيء في الباب لا يلزم منه أن يكون صحيحًا هو أصح شيء في الباب وقد يكون ضعيفًا فإذا قيل عن رواية العبادلة بأنها أعدل من غيرها لا يلزم من ذلك أن تكون صحيحة كما أنه لو قيل أصح من غيرها لا يلزم أن تكون صحيحة هي ضعيفة ولكن إذا قورنت برواية غيرهم يتبين الفرق وأن رواية هؤلاء أضبط وأعدل وأصح وفي نفس الوقت هي ضعيفة وعبد الله بن لهيعه يحتج به في باب المتابعات والشواهد ولكن ليس حديثه بحجة، عن يزيد بن أبي حبيب عن معمر بن أبي حيية ويقال معمر بن أبي حبيبة روى عنه بكير بن عبد الله الأشج والليث بن سعد ويزيد بن أبي حبيب وقال عنه ابن معين ثقة وقال العجلي ثقة وقد ذكره ابن حبان رحمه الله تعالى في ثقاته، وليس له عند الترمذي سوى هذا الحديث، عن ابن المسيب سعيد وهو من كبار التابعين من علمائهم وفقهائهم قد جزم غير واحد من العلماء بأنه أفقه التابعين أنه سأله أي أن معمرًا سأل سعيد بن المسيب عن الصوم في السفر فحدث سعيد أن عمر بن الخطاب قال سعيد سمع من عمر بالجملة لأن سعيدًا ولد سنة خمس عشرة وقد قال سعيد ولدت قبل مقتل عمر بثمان سنين ومثله يسمع ويحفظ وحين سئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن رواية سعيد عن عمر قال إذا لم يكن سعيد سمع من عمر فمن يسمع، وليس معنى كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى بأن سعيد سمع من عمر كل شيء هذا غير مراد، مقصود الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن سعيدًا سمع من عمر بالجملة ومراسيل سعيد عن عمر صحيحه، إذا قلت بالمراسيل فأقصد بذلك الأحاديث المنقطعة لأن هذا هو الإطلاق المعروف عن أئمة السلف، فحدث حين سئل سعيد أن عمر بن الخطاب قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فيه إثبات جهاد العدو والجهاد نوعان جهاد طلب وجهاد دفع وكلاهما مذكوران في كتاب الله جل وعلا. ولا يختلف العلماء رحمهم الله تعالى في هذا وذاك ولكن جهاد الطلب يشترط له عدة شروط وجهاد الدفع لا يشترط له شرط وكل يخرج في مواجهة العدو على قدر طاقته وعلى قدر الحاجة إليه فمن الأول قوله جل وعلا {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} البقرة193 وقول الله جل وعلا {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} التوبة29،فيجب قتال اليهود والنصارى إلا أن يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون والدعوة قبل القتال يدعون إلى الإسلام فإن امتنعوا يدعون إلى دفع الجزية فإن امتنعوا فإنهم يقاتلون إذا وجد إلى قتالهم سبيل، ومن الثاني قوله جل وعلا {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ} النساء75،إلى آخر الآية فهذه في جهاد الدفع وقد حكى ابن عبد البر والبغوي والقرطبي وشيخ الإسلام وغيرهم الإجماع على أن العدو إذا نزل ببلد من بلاد المسلمين وجب على أهل البلد مقاتلته ومدافعته حتى يطرد فإن قامت بهم الكفاية سقط الإثم عن الآخرين من المسلمين وإن لم تقم بهم الكفاية وجب على من قرب منهم مناصرتهم والمقاتلة معهم حتى يطرد العدو لأن العدو ليس له قرار في بلاد المسلمين وإذا لم يقم هؤلاء بالواجب فإن المسلمين يأثمون جميعًا وقد جزم غير واحد من الفقهاء بأن العدو إذا نزل في بلد إسلامي وجب