على أهل البلد مدافعته من الذكور والإناث وهؤلاء يجوزون للمرأة المقاتلة في مثل هذه الحالات ويستدلون بمقاتلة أم سلمه وأم سليم وأسماء بنت يزيد وعائشة وجماعة من نساء الصحابة رضي الله عنهن نقول إن المرأة تمنع من جهاد الطلب ولا تمنع من جهاد الدفع والذي لا يستطيع مدافعة العدو بنفسه يجب عليه مدافعة العدو بلسانه وماله فأما باللسان فقد قال تعالى"وحرض المؤمنين"من التحريض ورفع المعنويات والتشجيع والحث والترغيب وبيان ما أعد الله جل وعلا للمجاهدين وأما الدفع بالمال فهذا واجب لأن القتال لن تقوم له راية بدون مال وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (جاهدوا المؤمنين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) رواه الامام أبو داود وغيره من طريق حماد بن سلمه عن حميد الطويل عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا إسناد صحيح.
قوله (غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان غزوتين يوم بدر والفتح) وهذا يعني أنهم كانوا مسافرين، ولا يختلف العلماء رحمهم الله تعالى في جواز الفطر في السفر ومنهم من أوجبه تقدم الحديث عن هذه المسألة بقي الحديث عن حكم الإفطار في الحضر وحيثما وجدت المشقة فثم الحكم وإذا لم توجد مشقة فالأصل في ذلك الصوم وليس لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يفطر في الحضر بدون عذر لأن الله جل وعلا أمر بالصيام والصيام هو أحد أركان الإسلام {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} البقرة185، أي من حضر منكم الشهر ولم يكن له مانع يمنعه من الصوم فالفرض عليه أن يصوم وليس له أن يفطر فإن أفطر بدون عذر فقد عصا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقد جزم ابن مسعود وطائفة من الأئمة أنه ليس له قضاء لان هذا ذنب لا يكفره القضاء ونصر هذا القول شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله تعالى، نظير هذا القتل عمدًا من قتل عمدًا ثم عفي عنه جزم غير واحد من العلماء أنه ليس له أن يكفر لأن هذا ذنب لا تجدي معه الكفارة حينئذ يسارع في الاستغفار والتوبة والاستكثار من الطاعات لعل الله أن يغفر له.
وقال وذهب الجمهور منهم الأئمة الأربعة إلى أن من أفطر عمدًا بدون عذر فإنه عاص لله وللرسول صلى الله عليه وسلم ويجب عليه القضاء لأن الله جل وعلا فرض على العباد شهر رمضان ومن افطر عشرة أيام بدون عذر لم يكن هذا الرجل قد صام شهرًا والفرض عليه أن يصوم شهرًا وكونه تعمد يعتبر عاصيًا ولكن تبقى الذمة مشغولة حتى يؤدي هذا الواجب ولإنه إذا لم يقض يسارع كثير من الجهال إلى التساهل باعتبار أنه سوف يتوب ولا قضاء عليه، إذا علم أن القضاء ملزم به وأنه متعلق بذمته ينكل عن الإفطار بدون عذر هذا إذا لم يكن فطره عن جماع، إذا كان فطره بجماع فعليه الكفارة المغلظة يعتق رقبة مؤمنة إذا لم يقدر على عتق الرقبة فإنه يصوم شهرين متتابعين إن عجز عن ذلك وليس له أن يعتذر بالعجز وهو مطيق فإنه حينئذ إذا عجز بعذر شرعي يطعم ستين مسكينًا والصحيح في هذه الكفارة أنها على الترتيب وليست على التخيير وقد بحث هذه المسألة العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في (تهذيب السنن) ورجح هذا القول لقوة أدلته.
قوله (فأفطرنا فيهما) أي أفطرنا في هاتين الغزوتين، إن كان مسافرًا فالسفر يبيح الفطر، ويكون في الغزو الفطر أولى، ولأنه أقوى على مواجهة العدو، وإن كان في الحضر فإنه لا يفطر إلا حيث توجد المشقة.
قال أبو عيسى وفي الباب عن أبي سعيد وقد رواه مسلم في صحيحه من طريق معاوية بن صالح عن ربيعة قال حدثني قزعة عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم قال فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر ثم نزلنا منزلًا آخر فقال إنكم مصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا) فهذا أمر من النبي صلى الله عليه وسلم وقد أفادت الأحاديث الأخرى أن هذا الأمر للندب وليس للإيجاب، ولكنه واجب حين يرى أمير الرعية أن الصيام قد بلغ منهم الجهد وأنه قد يضعفهم أمام عدوهم فله أن يأمرهم بالفطر إذا غلب على ظنه إذا كان عالمًا أن الصيام ربما يطمع العدو فيهم ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالفطر ونظير هذا حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بالفطر وقد بلغ منهم الجهد مبلغه فحين لم يفطر بعضهم قال أولئك العصاة أولئك العصاة. نظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم (ليس من البر الصيام في السفر) يُنظر في هذا الباب المصالح العامة وتدرأ المفاسد.
قال أبو عيسى حديث عمر لا نعرفه إلا من هذا الوجه إي من رواية عبد الله بن لهيعه عن يزيد عن معمر وعبد الله بن لهيعه سيء الحفظ.
قوله وقد روي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالفطر في غزوة غزاها وهذا في السفر، ولا يمتنع هذا في الحضر حين توجد المشقة، وقد روي عن عمر بن الخطاب نحو هذا أنه رخص في الإفطار عند لقاء العدو وبه يقول بعض أهل العلم إن كان في السفر الأمة مجمعه عليه، وإن كان في الحضر فالحكم متعلق بوجود المشقة، فإذا لم توجد مشقة فليس لأحد أن يفطر لأن الأصل في الحضر الصوم وليس له أن يفطر بدون عذر، فإن وجد عذر من جهد أو مشقة أو ضعف في مقاتلة العدو فلهم أن يفطروا فمن ذلك واقع المجاهدين في العراق