الروايات التي لم يخالف بها الإثبات التي ليس فيها مناكير، وأبو هلال يروي هذا الخبر عن عبد الله بن سواده عن أنس وقد غلط في الخبر، ورواه وهيب بن خالد عن عبد الله بن سواده عن أبيه عن أنس، وهذا هو المحفوظ.
قوله (عن أنس بن مالك) : رجل من بني عبد الله بن كعب، أي ليس هو أنس بن مالك الأنصاري خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال (أغارت علينا خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم) : أي أغارت على قومنا، لأن أنس بن مالك كان مسلمًا من قبل فأغارت الخيل على قومه، ففيه وجوب جهاد العدو وإن كان مشركًا لم يقبل منه إلا الإسلام لا تقبل منه جزية ولا غير ذلك يجب قتاله حتى يكون الدين كله لله وهذا حيث القدرة على القتال وإذا لم توجد قدرة يجب الإعداد إرهابًا للعدو وحفظًا لهيبة هذه الأمة واستعدادًا للملاقاة قال تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ} الأنفال60،والذين يعتذرون الآن بضعف الأمة وعدم القدرة على المواجهة قد يصيبون من هذا الوجه ويخطئون من عدم تأهيل الأمة للإعداد لأنه إذا وجد ضعف في الأمة فيجب الإعداد ولا يعني هذا أن الأمة لا تواجه ولو كانت ضعيفة في جهاد الدفع لأن الأمة حتى لو كانت ضعيفة يجب عليها المواجهة ولن تغلب أمة إسلامية محققه لتوحيدها من قلة لذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن خروج اثني عشر ألف مقاتل من عدن ينصر الله بهم الدين ورواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى بسند حسن، الطائفة المنصورة لا تزال باقية يقاتلون على الحق حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى وهذا جاء في مسلم وجاء في سنن أبي داود (حتى يقاتل آخرهم الدجال) هذا إشارة إلى أن الجهاد باقٍ كونًا وشرعًا وأنه لا تزال طائفة من هذه الأمة يقاتلون وأنه لن يثني المجاهدين عن عزيمتهم أحد ومهما وضعت من العوائق أمام امتداده فإن الجهاد سوف يمضي في هذه الأمة ويبقى ما بقي الليل والنهار بعز عزيز أوبذل ذليل عزًا يعز الله به الإسلام أو ذلًا يذل الله به الكفار والمنافقين والمرجفين والمفسدين في الأرض، وأما إن كان العدو من أهل الكتاب فقد تقدم قبل قليل بأنه يدعى إلى الإسلام إذا استجاب بها ونعمت وإن لم يستجب تطلب منه الجزية فإن امتنع وجب الاستعانة بالله والقتال.
قال أنس بن مالك أغارت علينا خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته يتغدى فقال أدن فكل. فيه إكرام الضيف، فيه إكرام من ضرب عليك الباب أو دق عليك الباب ودخل عليك وأن هذا من مكارم الأخلاق ومعالي الأمور وفيه أمره بالدنو بمعنى القرب، من جميل الشعر:
وما الخصب للأضياف يكثر القرى ... ولكنما وجه الكريم خصيب.
فإذا لم يستطع العبد أن يكرم ضيفه أو الزائر فلا أقل من كونه يتلطف له بالعبارة ولا يشعره بالضيق، فقال: (ادن فكل) فقلت: (إني صائم) فيه إخبار المرء عن ما هو عليه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائما فليصل وإن كان مفطرًا فليطعم) رواه مسلم في صحيحه، قوله صلى الله عليه وسلم (إن كان صائما فليصل) هذا طبعًا في صيام النفل ومعنى فليصل أي فليدع لأن الصلاة في اللغة تطلق على الدعاء قال تعالى {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ} التوبة103،وكما قال الشاعر
لها حارس لا يبرح الدهر بيتها ... وإن ذُبحت صلى عليها وزمزما.
(وإن كان مفطرًا فليطعم) إجابةً للدعوة وتطييبًا لقلب الداعي، وقال هذا الرجل (إني صائم) لأنه يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب امتناعه من الدنو ومن الأكل، ففيه أن الإنسان إذا دعي إلى أمر ولا يحب أن يجيب أن يبرر هذا لئلا يقع في قلب الآخر شيء لأن الشيطان ينزغ بين العباد، وقال صلى الله عليه وسلم (ادن أحدثك) في محل جزم جواب الطلب عن الصوم أو الصيام، فقال (إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة) الرباعية تكون ركعتين وهذا يفيد أن الصلاة حين شرعت كانت تامة، وعائشة تقول (فرضت الصلاة حين فرضت ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر) والخبر متفق على صحته، وابن عبد البر وجماعة يطعنون في حديث عائشة يضعفونه وهذا ما قاله طائفة حيث يقدمون هذا الخبر على حديث عائشة ومنهم من يطعن في حديث الباب ويقدمون حديث عائشة عليه، الله جل وعلا يقول {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ} النساء101،ربما يقال أن معنى هذه الآية ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة أي حين زيد فيها لئلا يظن ظان أن صلاة السفر لا تزال أربعًا فقيل (ليس عليكم جناح أن تقصروا) بمعنى أنه رخصة لمن أراد أن يقصر ولا حرج أن يتم وهذا قول الجمهور باعتبار انه لو أتم في السفر لا حرج من ذلك ولكن القصر أفضل، وفيه من أوجب القصر والخلاف هنا كالخلاف في قضية الصوم في السفر منهم من قال بأن الصيام أو الإتمام في السفر كالقصر في الحضر، ومنهم من يرى