أن الأمر فيه سعة وأن القصر أفضل والإتمام مباح ومنهم من قال أن القصر واجب ولكن ليس شرطًا للصحة، ونظيره الصيام تقدم منهم من قال إن الصوم في السفر حرام وإن صام أجزأه ومنهم من قال إن الصوم في السفر حرام وإن صام لا يجزئه.
أجمع العلماء رحمهم الله تعالى أنه لا يقصر في السفر إلا الصلاة الرباعية الظهر والعصر والعشاء، اتفق الفقهاء أن المغرب والفجر لا تقصران، يؤخذ من هذا يسر الشريعة وسماحتها وفيه معنى قول الله جل وعلا {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} الحج78.
قوله (عن الحامل أو المرضع الصوم أو الصيام) : أي ووضع عن الحامل والمرضع الصوم أو الصيام، قال الجمهور معنى الوضع هنا بمعنى أنه رخص للحامل إذا خافت على الجنين والمرضع إذا خافت على الرضيع أن تفطر وهذا الذي أفتى فيه الأئمة الأربعة رحمهم الله وحين يذهب عذرهما يجب عليهما القضاء لأمور:
الأمر الأول: أن الحامل والمرضع ينزلان منزلة المريض والله جل وعلا قال {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} البقرة 184.
الأمر الثاني: منهم من حكى الإجماع على هذا وهذا الإجماع لا يصح، والصواب أن الخلاف محفوظ، منهم من قال بالقضاء ومنهم من لم يقل بالقضاء، والذين يقولون بعدم القضاء هم أئمة كبار كابن عباس وابن عمر وجماعة من الأئمة والحفاظ.
الوجه الثالث: يستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم (الشهر تسع وعشرون) إذن الشهر إما يكون ثلاثين وإما يكون تسعًا وعشرين فيجب صيام هذا أو ذاك ولا يجوز النقص عن هذا العدد.
الأمر الرابع: أن الصيام من دين المسلمين وقد أوجبه الله وفرضه على العباد وجعله أحد مباني الإسلام والأصل في ذلك إكمال الشهر وهذا حاصل بيقين في الأدلة المتواترة كتابًا وسنة فلا ننتقل عن اليقين إلا بيقين مثله، وهذا الحديث ليس بصريح على أن الحامل لا تقضي ومن ذلك المرضع، الخبر يحتمل أحد أمرين وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال أمام الأدلة اليقينية القطعية ومن ذلك أنه لو كانت الحامل لا تقضي أو المرضع أن النبي صلى الله عليه وسلم يبين ذلك بيانًا عامًا يعلمه العام والخاص.
قوله (والله لقد قاله النبي صلى الله عليه وسلم كليهما أو أحدهما) : فيه جواز الحلف من غير استحلاف، وفيه جواز الحلف في تأكيد الأمور المهمة، قد حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حلف من غير استحلاف بحدود ثمانين موضعًا.
قوله (فيالهف نفسي أن لا أكون طعمت من طعام النبي صلى الله عليه وسلم) : فيه التحسر على هذه الأمور لأنه يمكن تدارك هذا في المستقبل فالأمر الذي يمكن تداركه لا حرج من القول لو أني قد فعلت كذا لكان كذا وكذا وأما الأمور التي لا يمكن تداركها فالتحسر نوعان إذا كان يؤدي إلى التسخط أو يؤدي إلى تفويت واجب أو حتى ترك مستحب فهذا أقل أحواله أن يكون مكروهًا وقد يكون محرمًا وإذا كان لا يؤدي إلى هذا ولا إلى ذاك فإنه مباح.
قال أبو عيسى حديث أنس بن مالك الكعبي حديث حسن ولا نعرف لأنس بن مالك هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث الواحد، حديث حسن بمعنى أنه جاء من غير وجه ولم يكن في رواته لا كذاب ولا متهم، والخبر قد رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه من طريق أبي هلال عن عبد الله بن سواده عن أنس، ورواه النسائي من طريق وهيب بن خالد عن عبد الله بن سواده عن أبيه عن انس وهذا أصح، ورواه أحمد والنسائي من طريق أبي قلابة عن انس وفي سنده اختلاف.
قال أبو عيسى رحمه الله والعمل على هذا عند بعض أهل العلم: بمعنى أن الله وضع عن الحامل والمرضع الصوم حينئذ تفطر ولا تقضي لأن الله وضع ذلك عنها.
وقال بعض أهل العلم الحامل والمرضع يفطران ويقضيان ويطعمان أما القضاء فقد قال به الجمهور وأما الإطعام فقد قال به سفيان ومالك والشافعي واحمد ولم يقل به الإمام أبو حنيفة رحمه الله.
قوله وقال بعضهم يفطران ويطعمان ولا قضاء عليهما وإن شاءتا قضتا ولا إطعام عليهما وبه يقول إسحاق فعند إسحاق لا يجمع بين القضاء والإطعام، فإذا أفطرت الحامل والمرضع قضتا ولا إطعام أو أطعمتا ولا قضاء وقد ثبت عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا (الحامل والمرضع تفطر ولا تقضي) رواه الدار قطني وصححه، وروى من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر أن امرأته سألته وهي حبلى فقال (أفطري وأطعمي عن كل يوم مسكينًا ولا تقضي) ، وقال ابن حزم رحمه الله في (المحلى) عن الحامل والمرضع والشيخ الكبير (إذا