الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن بن عباس رضي الله عنهما قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أ فأقضيه عنها قال (نعم) . وهذا فيه اختلاف عن سياق أبي عيسى بأمور:
الأمر الأول: في هذا الحديث قال (جاء رجل) ، الحديث الأول قال (جاءت امرأة) ، في هذا الحديث قال (إن أمي) ، الحديث قال (إن أختي) ، في هذا الحديث قال (وعليها صوم شهر) ، الحديث الآخر وعليها (صوم شهرين) ، وهذا في صحيح مسلم بمثله أي من طريق زائدة عن الأعمش من هذا الطريق، وجاء في الصحيحين من طريق عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة قال حدثنا الحكم قال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال (جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر) ، وقد حكم على هذا الحديث بالاضطراب عياض والقرطبي وغيرهما وذلك للاختلاف الكثير في هذا الباب فمنهم من يقول جاء رجل ومنهم من يقول جاءت امرأة منهم من يقول وعليها صوم شهرين ومنهم من يقول وعليها صوم شهر ومنهم من يقول عليها صوم خمسة عشر يومًا ومنهم من يقول وعليها صوم نذر ومنهم من لم يذكر النذر، والذين يحكمون على هذا الخبر بالاضطراب يقولون بأن القصة واحدة وهذا الاختلاف في حديث واحد يوجب الحكم عليه بالضعف، وذهب أكثر أئمة الحديث إلى أن هذا الخبر محفوظ ولا أدلّ من هذا تخريج الشيخين لهذا الخبر، فقد رواه الإمامان البخاري ومسلم بنفس هذا الاختلاف وأورد هذه الروايات فمنهم من قال أن هذا دليل على اختلاف القصة وأن القصة قد تعددت ومنهم من قال أن هذا الاختلاف غير موجب للحكم عليه بالاضطراب فهو غير مؤثر على أصل القصة ولا مانع بأن الإنسان قد يغلط يقول جاء رجل وهي امرأة لكنهم لا يختلفون في السؤال عن كونها ماتت وعليها الصوم سواء صوم شهرا أو يوم أو يومين أو شهرين سواء كان الحكم يختلف لأن منهم من قال صوم شهرين يختلف عن مسألة صوم النذر ولاسيما مع رواية من روى شهر، ورواية من روى خمسة عشر يومًا.
الإمام أبو عيسى رحمه الله تعالى حكم عليه بالصحة وقد أشار إلى بعض أسانيده قال حدثنا أبو كريب أخبرنا أبو خالد الأحمر عن الأعمش بهذا الإسناد نحوه قال محمد وهو محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى وقد روى غير أبي خالد عن الأعمش بمثل رواية أبي خالد قال أبو عيسى وروى أبو معاوية وغير واحد هذا الحديث عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر فيه عن سلمة بن كهيل ولا عن عطاء ولا عن مجاهد وهذه الرواية التي قال أبو عيسى وروى أبو معاوية هي موجودة في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى.
قوله (جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت) فيه استفتاء المرأة للرجل وفيه أن صوت المرأة ليس بعورة وهذا قول الأكثر من العلماء، ولم يثبت دليل عن النبي صلى الله عليه وسلم في كون صوت المرأة عورة، وقد جاء في مسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين أخذ البيعة على النساء (ولا تكلمن من الرجال إلا المحرم) وهذا الخبر ضعيف، والصواب أن صوت المرأة ليس بعورة ولكنه فتنة وقد حرم الله جل وعلا على المرأة الخضوع بالقول فقال: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} الأحزاب32،الخضوع بالقول محرم ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجل ولتصفق المرأة) والخبر متفق على صحته، فمنعت المرأة من التسبيح مع أنه عبادة ومشروعة في الصلاة لئلا تفتن الرجال وأُذِنَ لها بالتصفيق فكان هذا دليلًا على أن صوت المرأة فتنة وأن المرأة لا تخاطب الرجال إلا بقدر الحاجة وما زاد عن الحاجة فإنه قد يؤول إلى الحرام وإلى تعلق القلوب فإن الأذن قد تعشق قبل العين، وفيه يؤخذ من هذا الحديث أنه لا حياء في الدين قد قالت عائشة رضي الله عنها فيما روى عنها البخاري معلقا في صحيحه ووصله مسلم وغيره (رحم الله نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء من أن يتفقهن في الدين) ولم يذكر في هذا الخبر من أن المرأة حين أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم كان معها محرم، فيحتمل أنها أتت لوحدها، ففيه دلالة حينئذ على جواز خروج المرأة وحدها إذا أمنت الفتنة لأن المرأة ما نهيت إلا عن السفر قال الرسول صلى الله عليه وسلم (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم) فحينئذ يجوز لها الخروج بدون محرم إذا لم تكن المسافة مسافة سفر بشرط أن تؤمن الفتنة ويحتمل أن هذه المرأة جاءت ومعها محرمها ولكنه لم يذكر لعدم الحاجة إليه وإن كان الأول لعله أقوى، ويؤخذ من الحديث حجية سكوت النبي صلى الله عليه وسلم والإقرار لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر المرأة أن تستفتي وقال الناظم:
وإن أقر قول غيره جعل ... كقوله كذاك فعل قد فعل.
وما جرى في عصره ثم أطلع ... عليه إن أقره فليتبع.