ويؤخذ من هذا الحديث سؤال أهل العلم والقصد إليهم للاستفتاء وقال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه (باب الرحلة في طلب العلم [1] ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد) وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى (في مصر صحيفة لعلي بن أبي طلحة لو رحل رجل إلى مصر لكان مصيبًا) وهذه الصحيفة تروى من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث عن معاوية عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، فهذا الإمام أحمد يقول لو أن رجلا رحل إلى مصر لطلب هذه الصحيفة لكان مصيبًا أي ولم يكن في ذلك خسارة في رحلته لأن هذه الصحيفة مهمة وهذا الإمام أحمد نفسه رحل من بغداد إلى اليمن لأخذ العلم عن الإمام عبد الرزاق، وهذا عاصم الواسطي أعطى ابنه عليًا مائة ألف درهم وأمره أن يخرج في طلب العلم وقال: (لا أرى وجهك إلا ومعك مائة ألف) حديث فرحل علي بن عاصم الواسطي فطاف البلاد شرقًا وغربًا ولم يرجع إلا وهو من أكابر الأئمة والحفاظ وقد ذكر الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى هذه الحكاية في تذكرة الحفاظ وقال: وكان له حلقة يحضرها ثلاثون ألفًا ولذلك يروي ويحكي عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال:
اصبرْ على مُرِّ الجفا من معلمٍ ... فإِن رسوبَ العلمِ في نَفَراتهِ
ومن لم يذقْ مُرَّ التعلم ساعةً ... تجرَّعَ ذلَّ الجهلِ طولَ حياتهِ
ومن فاتَه التعليمُ وقتَ شبابهِ ... فكبرْ عليه أربعًا لو فاتهِ
وذاتُ الفتى واللّه بالعلم والتقى ... إِذا لم يكونا له لا اعتبارَ لذاتهِ
وهذا الشافعي رحمه الله تعالى فإنه ولد بغزة وقيل ولد باليمن وهو قرشي وأمه حميرية فرحل إلى مكة وأخذ العلم ورحل إلى المدينة ومن المدينة رحل إلى البصرة وحين وصل إلى البصرة يريد أخذ العلم عن أبي يوسف لأن الشافعي ولد في نفس السنة التي توفي فيها أبو حنيفة رحمهما الله تعالى، ودخل على رجل يُرجِّله وكانت نفقة الشافعي قد انتهت ولم يبق معه سوى درهمين فامتنع الرجل أن يرجِّله إلا بخمسة دراهم فعرض عليه الشافعي درهمين فامتنع فخرج الشافعي رحمه الله وقال:
علي ثياب لو تباع جميعها ... بفلس لكان الفلس منهن أكثر.
وفيهن نفس لو تقاس ببعضها ... نفوس الورى كانت أجل وأكبرا.
يدل على هذا المعنى وعلى هذه المعاني قوله صلى الله عليه وسلم (نظر الله أمريء سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع) وهذا جاء عن جمع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن عمرو وجماعة.
وقال أبو عيسى وهذا حديث حسن صحيح، قد رحل نبي الله موسى إلى الخضر ليأخذ عنه العلم ففيه رحلة الفاضل إلى من هو أقل منه فإن موسى بالاتفاق هو أفضل من الخضر، والصواب أن الخضر نبي وهو قول الجمهور ولكن رحل موسى إليه ليستفيد منه.
قالت هذه المرأة (إن أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين) يؤخذ من هذا الإيجاز في السؤال بحيث يكون واضحًا فإن هذه المرأة أوجزت في السؤال وأتت بالمطلوب ولذلك لم يستفصل النبي صلى الله عليه وسلم منها ففيه ترك الاستفصال عند عدم الاحتمال ولو كان فيه احتمال لاستفصل النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ثابت بن الضحاك حين نذر الرجل أن ينحر إبلًا ببوانه استفصل النبي صلى الله عليه وسلم منه فقال (هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية هل كان فيها عيد من أعيادهم) كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفصل والاستفصال في مقام الاحتمال واجب.
قولها (وعليها صوم شهرين) يحتمل أن هذين الشهرين نذر عليها ويحتمل أن هذين الشهرين كفارة وذلك لقولها شهرين متتابعين يحتمل أنها نذرت ويحتمل أن عليها كفارة، النذر هو إلزام المكلف نفسه بعبادة لم يوجبها عليه الشارع فإذا التزم وجب عليه الوفاء بشرط أن يكون النذر نذر طاعة لقوله صلى الله عليه وسلم (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) والحديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها، فيجب الوفاء بنذر الطاعة ويحرم الوفاء بنذر المعصية، والصواب أن نذر المعصية فيه كفارة لحديث عقبة في صحيح مسلم (كفارة النذر كفارة يمين) فقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك باليمين، ومعلوم أنه لو حلف أن يشرب الخمر يمنع من الشرب ويكفر عن يمينه، لو حلف وقال والله لأضربن عمروا، يحرم عليه أن يضرب عمرو لكن يجب عليه أن يكفر عن يمينه لأنه قد حلف، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم شبهه باليمين، كفارة النذر كفارة يمين، والمسألة خلافية وليست من بابنا لكن تمر إن شاء الله جل وعلا بنا نتحدث عنها بأوسع من هذا.
(1) - (باب الخروج في طلب العلم ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد) .