قَالَ أَبُو عِيسَى: حديثُ ابنِ عُمَرَ لا نعرفُهُ مرفوعًا إِلاَّ من هَذَا الوجهِ. والصَّحيحُ عن ابنِ عُمَرَ موقوفٌ. قولُهُ واختلفَ أَهلُ العلم في هَذَا، فَقَالَ بعضُهم يُصامُ عن الميِّتِ، وبِهِ يقولُ أَحْمَدُ وإِسحاقُ قَالا: إِذَا كَانَ عَلَى الميِّتِ نذرُ صيامٍ يُصامُ عنهُ، وإِذَا كَانَ عَلَيهِ قَضَاءُ رَمضَانَ أُطعمَ عنهُ. وقَالَ مالكٌ وسفيانُ والشَّافِعيُّ لا يصومُ أَحدٌ عن أَحدٍ. وأَشعثُ هُوَ ابنُ سَوَّارٍ. ومُحَمَّدٌ هُوَ مُحَمَّدُ بن عَبدِ الرَّحمنِ بن أَبي لَيلَى.
الشرح:
قال أبو عيسى حدثنا قتيبة أخبرنا عبثر وهو ابن القاسم الزبيدي وهو ثقة، عن أشعث وهو ابن سوار قال عنه الإمام أحمد (ضعيف الحديث) ،وقال أبو زرعه (لين الحديث) ، وضعفه النسائي ويعقوب والدار قطني، وقال ابن حبان (فاحش الخطأ كثير الوهم) ، وقد خرج له البخاري في الأدب ومسلم في المتابعات وأهل السنن ما عدا أبا داود، عن محمد وهو ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال عنه الإمام احمد (سيء الحفظ مضطرب الحديث) ، وقال شعبة (ما رأيت أحدًا أسوأ حفظا منه) ، وقال النسائي (ليس بالقوي في الحديث سيء الحفظ) وهو أحد الفقهاء، عن نافع وهو مولى ابن عمر عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينًا) قال أبو عيسى حديث ابن عمر لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه والصحيح عن ابن عمر موقوف وقد رواه جمع عن نافع عن بن عمر وقد رجح وقفه الدار قطني في (العلل) وجاء نحوه عن بن عباس رواه عبد الرزاق في (المصنف) قال أبو عيسى رحمه الله تعالى واختلف أهل العلم في هذا أي في حكم الصوم عن الميت وذلك على مذاهب أشار الإمام أبو عيسى رحمه الله تعالى إلى مذهبين فقال رحمه الله تعالى فقال بعضهم يصام عن الميت وبه يقول أحمد وإسحاق قالا إذا كان على الميت نذر صيام يصام عنه وإذا كان عليه قضاء رمضان أطعم عنه، فالإمام أحمد رحمه الله تعالى يحمل حديث عائشة على صيام النذر، على الصيام الذي التزمه، ويحمل حديث ابن عمر على قضاء رمضان، فمن مات وعليه بقية من رمضان فإنه يطعم عنه ومن مات وعليه صيام نذر أو صيام كفارة فإنه يصام عنه وهذا مذهب أحمد وإسحاق والليث بن سعد وأبي عبيد وهؤلاء يحملون حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من مات وعليه صيام صام عنه وليه على صوم النذر فهؤلاء يرون حمل المطلق على المقيد وقد قال ابن المراقي:
وحمل مطلق على ذاك وجب ... إن فيهما اتحد حكم والسبب.
فيحملون حديث عائشة على حديث ابن عباس هذا القول الأول في المسألة، القول الثاني وإليه أشار أبو عيسى بقوله وقال مالك وسفيان والشافعي لا يصوم أحد عن أحد وهذا مذهب أبي حنيفة فهؤلاء الأئمة يأخذون بحديث ابن عمر وأنه لا يصوم أحد عن أحد وبآثار واردة عن ابن عباس أنه قال (لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد) وهذا رواه النسائي في (الكبرى) بإسناد صحيح إلى ابن عباس، لم يذكر أبو عيسى رحمه الله تعالى في المسألة سوى قولين وفيه قولان آخران القول الثالث: أن من مات وعليه صوم فرض من قضاء رمضان أو نذر أو كفارة واجبة ففرض على أوليائه أن يصوموا عنه هم أو بعضهم ولا إطعام في ذلك أصلًا أوصى به أو لم يوص وهذا قول ابن حزم رحمه الله تعالى في (المحلى) .
المذهب الرابع: أنه يصام عن الميت رمضان إذا توفي وعليه بقية لم يصمها، بمعنى أنه توفي ولم يصم رمضان أو بقي عليه أيام معدودة من رمضان فيصام عن الميت رمضان وغيره من النذر ونحوه وهذا قول أبي ثور وطائفة من أهل الحديث وجماعة من فقهاء الشافعية وعلّق الشافعي رحمه الله تعالى القول به على صحة الحديث، وهؤلاء يحتجون بحديث عائشة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) من اسم شرط جازم تجزم فعلين الأول فعل الشرط والثاني جوابه وجزاؤه (مَن) من صيغ العموم (من مات) أي توفي (وعليه صيام) لم يذكر في الحديث رمضان أو كفارة أو غير ذلك (صام عنه وليه) هذا جواب الشرط ولفظ الولي خرج مخرج الغالب فلو صام عنه قريبه أو صديقه أو أجنبي عنه لم يكن بذلك بأس فإن هذا بمنزلة الدين ولا حرج أن يقضي الدين عن المدين قريبه أو غيره، وهذا على الاستحباب وليس على الإيجاب، وحديث عائشة واقعه وحديث مستقل وحديث ابن عباس واقعه أخرى وحديث مستقل، فحديث ابن عباس في النذر والكفارة لأنه جاء في بعض طرقه بالنذر وجاء (وعليه صوم شهرين) هذا في الكفارة فيجوز القضاء، وحديث عائشة (صام عنه وليه) في قضاء رمضان، قد وضحت في بداية الشرح للترجمة أنه ليس المعنى أنه إذا توفي مثلًا في اليوم العشرين أنه يكمل عنه العشرة هذا غلط وليس له أصل إنما المعنى إذا توفي وقد فاته شيء من صيام رمضان فإنه يُقضى عنه على وجه الاستحباب وإذا لم يُقض عنه فإنه يُطعم عنه والإطعام يكون من تركته وإذا أراد أحد أن يتبرع عنه فلا حرج من ذلك، وأما ما ذهب إليه