فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 151

أدلة وترجيحات هذا الباب وأن لا يقدم على قول ولا سيما حين يريد أن يخالف الأكثر حتى يحفظ من الأدلة القوية ما تكون مرجحة لقوله على القول الآخر وفي نفس الوقت يتأكد من صحة هذه الأدلة ومن دلالتها على المطلوب ولا يلزم من قول القلة أن يكون ضعيفًا ولا من قول الكثرة من أن يكون قويًا فكم من قول ذهب إليه الجمهور ولا دليل عليه، وكم من قول يعتبر مهجورًا عند طائفة من الناس هو الدليل، وقد يكون القول مهجورًا في وقت دون وقت لذلك فمن ذلك جعل الثلاث واحدة هذا القول يعتبر مهجورًا في قرون كثيرة لا يفتى به في كل عصر الا الواحد والاثنان وهذا الأمر في القرن الثالث والرابع والخامس والسادس وبداية السابع حين خرج شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى وتبنى القول بان الثلاث واحدة صار هذا القول مشهورا في عصره ثم جاء هذا القول من النسيان ما انتابه في القرون السابقة إلى أن جاء هذا الوقت فتبناه عدد كثير فصار مشهورًا وكان الذي يفتي من قبل بأن الثلاث واحدة يؤدب ويعزر ويعتدى عليه وقد سجن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بسبب هذا القول ولكن هذا لا يثني العالم عن المضي فيما يراه صوابًا وراجحًا وإن كان يجب عليه أن يراعي المصالح وأن يدرأ المفاسد لأن الفقيه كل الفقيه الذي يعرف خير الخيرين وشر الشرين ويميز بين هذه الأمور ولكن هذا لا يمنعه من قول الحق ومن الفتوى بما يراه صوابًا ودل عليه الدليل لأن بعض المسائل التي تطرح الآن في كتب الفقهاء قد تكون مبنية على دليل ضعيف ككون الحائض مثلًا لا تقرأ القران ما هو الدليل على هذا؟ قد ذهب الجمهور إلى أن الحائض لا تقرأ القران وما هو الدليل على هذا، الدليل على هذا خبر متفق على ضعفه (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القران) قال عنه الإمام أحمد باطل، وحكى بن تيمية وبن القيم الإجماع على ضعفه لأنه جاء من رواية إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن بن عمر وإسماعيل بن عياش إذا روى عن غير أهل الشام فإنه ضعيف. وقد روى هذا الخبر عن موسى وهو حجازي مدني ولا يختلف المحدثون بأن إسماعيل إذا روى عن غير أهل بلده فإنه ضعيف وإذا روى عن أهل بلده فمختلف فيه أيضا فهذا أحد المسائل التي يذهب إليها الجمهور ويستدلون على ذلك بأدلة ضعيفة لا تقوى أمام الأدلة الواضحة القوية، كون الحائض لا تمنع من عبادة شرعت بالإجماع واليقين لا ينتقل عنه إلا بيقين والأحكام الشرعية من واجبات ومندوبات ومكروهات ومحرمات لا تبنى إلا على أدلة صحيحة ثابتة واضحة، وإن كان العلماء قد يختلفون في تصحيح بعض الأدلة فيذهب كل عالم بما وصل إليه اجتهاد وحينئذ لا تثريب على المخالف في مثل هذا ولكن يجب التحرير لأن بعض الناس يتبنى قولًا دون أن يبحثه ثم يتعصب له ويحاول أن يصادر أدلة الآخرين وحين تسأله عن أدلته وعن مذهبه لا يحفظ شيئا من هذا، ويعتبر هذا في الحقيقة جناية على الأدلة وعدوان على الآخرين وحاصل هذا أن الفقهاء مختلفون في الفطر بالحجامة، ولعل الأقرب من هذه الأقوال أن الحجامة لا تفطر الصائم وإذا وجد الصائم إلى تركها في النهار سبيلًا فهذا أفضل وأبعد عن الخلاف وإذا احتاج إلى تحليل في النهار أو إخراج دم أو حجامة فلا حرج من ذلك.

قوله (والقيء) أي أن القيء غير مفطر، وقد حمله أبو عيسى في الترجمة حين يذرعه بمعنى يغلبه وذلك للأدلة الأخرى كحديث أبي هريرة ويأتي الحديث عنه إن شاء الله تعالى، وقال آخرون ليس على هذا التقييد مستند صحيح فإن حديث الباب ضعيف وهو مع ضعفه فيه شيء من العموم، وحديث أبي هريرة الذي يحتج به على تقييد هذا الخبر لا يثبت بشهادة الإمام أحمد والبخاري وجماعة من الحفاظ وقد ذهب الجمهور إلى أن القيء لا يفطر إذا غلبه، وإذا تعمد القيء فإنه يفطر.

نتحدث إن شاء الله تعالى بعد قليل عن هذه المسألة وأنه لم يثبت دليل عن النبي صلى الله عليه وسلم في كون القيء مفطرًا وأن الأصل في هذا الباب أن القيء لا يفطر سواء كان متعمدًا أو غير متعمد، والفطر مما دخل لا مما خرج، وفي نفس الوقت ليس كل شيء دخل يعتبر مفطرًا إنما يعنى بذلك الذي يدخل إلى المعدة ويغذي البدن، بدليل أن إبرة السكر تدخل ولكنها غير مفطرة فهي غير مغذية للبدن غير مختصة بتقوية المعدة لكنه بمنزلة المضاد.

قوله (والاحتلام) أي أن الاحتلام غير مفطر ومن ذلك من أدركه الفجر وهو جنب لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم، متفق عليه من حديث عائشة وأم سلمه رضي الله عنهما، ومن هذا الحائض إذا طهرت قبل الفجر فلم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر فإن هذا لا يؤثر على صومها وهذا قول الجمهور من الصحابة والتابعين وعامة أهل العلم وذهب أبو هريرة وطائفة يسيرة من أهل العلم إلى أن من أدركه الفجر وهو جنب لم يغتسل فإنه يصبح مفطرًا وهذا قد قال به طائفة في العصر الأول ثم أندرس الخلاف في العصور المتأخرة فأصبح كالإجماع بأن من أصبح جنبًا من احتلام أو غير ذلك أو لم تغتسل الحائض إلا بعد طلوع الفجر أن هذا لا يؤثر على الصوم لقوة الأدلة في هذا الباب كحديث عائشة وأم سلمه الوارد في الصحيحين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت