فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 151

صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أفطر الحاجم والمحجوم) وقد جاء هذا الخبر من رواية جمع من الصحابة يقدرون بنحو ثمانية عشر صحابيًا وبعضها صحيح وبعضها ضعيف وقد صحح بعضها علي بن المديني وجماعة وهؤلاء الأئمة يذهبون إلى أن الحجامة تفطر الصائم مطلقًا سواء كانت مضعفة له في نهار رمضان أو لم تكن مضعفة وسواءً كان الصيام نفلًا أم فرضًا ومنه سحب الدم في نهار رمضان فإنه مفطر على هذا المذهب وهؤلاء مختلفون في الحاجم دون المحجوم فمنهم من قال إذا دخل جوفه شيء من الدم فإنه يفطر ومنهم من قال بأن الحاجم يفطر مطلقًا على خلاف بينهم في العلة التي من أجلها قيل عن الحاجم بأنه مفطر وهذا هو الذي حدا بجماعة من الأئمة إلى أن يقول بأن المحجوم لا يفطر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفطر الحاجم والمحجوم) يكون المعنى أي آل أمرهما إلى الفطر ولم يفطرا حقيقة لأن الذين يقولون بأن المحجوم يفطر يختلفون في فطر الحاجم ويختلفون في التعليل لسبب فطره وقد اقتصر جماعة من هؤلاء على أن المحجوم يفطر دون الحاجم ولفظ الحديث (أفطر الحاجم والمحجوم) وفي رواية (أفطر هذان) ، وهؤلاء يقولون بأن الفطر يكون مما دخل ويكون مما خرج ويردون على من يقول بأن الفطر مما دخل دون مما خرج ويستدلون على ذلك بالحيض فإنه يخرج وتفطر به المرأة ويستدلون على ذلك بالمني فإنه يخرج ويفطر إذا كان صاحبه متعمدًا باستثناء الاحتلام عندهم.

القول الثاني في المسألة / أن الحجامة لا تفطر الصائم على خلاف بين هؤلاء، هل تكره في نهار رمضان أم لا تكره؟ ولكنهم متفقون على أن الحجامة لا تفطر سواء كانت مضعفة له في نهار رمضان أو لم تكن مضعفة وهذا مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وقال والذي أحفظ عن الصحابة والتابعين وعامة أهل العلم أنه لا يفطر أحد بالحجامة واختار هذا القول أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى وحين نتحدث عن حديث (أفطر الحاجم والمحجوم) وأنه صحيح قال إن هذا الخبر منسوخ بحديث أبي سعيد (رخص للصائم بالحجامة والقبلة) وقال إن الرخصة لا تكون إلا عقب عزيمة فكان هذا دليلا على أن الحجامة لا تفطر الصائم، ولعل هذا القول أقوى من القول الأول وذلك من وجوه:

الوجه الأول / جاء في البخاري من رواية عكرمة عن بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم. وهذا الخبر وإن كان في صحيح البخاري إلا أنه قد طعن فيه جمع من الحفاظ، وقد أورده البخاري في صحيحه على أنه صحيح عنده ووافقه على ذلك كثير من الأئمة.

الوجه الثاني / حديث أبي سعيد (رخص للصائم في الحجامة والقبلة) ، جاء هذا الخبر موقوفًا ومرفوعًا والراجح وقفه، رواه ابن خزيمه وغيره ولكن يأخذ حكم المرفوع لأنه لا مجال للاجتهاد في هذا لأن قول الصحابي أمرنا, أو نهينا أو رخص لنا أو من السنة كذا وكذا يأخذ حكم المرفوع كإخبار الصحابة عن الأمور الغيبية ونحو ذلك قد قال العراقي:

وما أتى عن صاحب بحيث لا ... * ... يقال رأيا حكمه الرفع على

ما قال في المحصول نحو من أتى * ... الحاكم الرفع لهذا اثبتا

وقال:

قول الصحابي من السنة أو * ... نحو أمرنا حكمه الرفع ولو

بعد النبي قاله بأعصر ... * ... على الصحيح وهو قول الأكثر

الدليل الثالث / جاء في البخاري من رواية شعبة قال سمعت ثابتا البناني يقول سئل أنس بن مالك رضي الله عنه أكنتم تكرهون الحجامة للصائم وفي رواية في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (لا إلا من أجل الضعف) .

الوجه الرابع / روى أبو داود في سننه بسند صحيح من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى قال حدثني بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المواصلة والحجامة للصائم ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه.

الوجه الخامس / أفتى أبو هريرة وبن عباس بأن الفطر مما دخل لا مما خرج، وهما ينفيان بهذا أن تكون الحجامة والقي ء من المفطرات ولا يرد على هذا الحيض لأن الحيض مجمع عليه، فيكون قول أبي هريرة وبن عباس في الأمور المختلف فيها بأنها غير مفطره وأما إيراد من أورد عليهما المني هذا أيضا فيه خلاف معروف.

معروف مذهب أبي محمد بن حزم وجماعة من الأئمة في هذا الباب فليس في المسألة إجماع، والدليل هو الفيصل في كل مسألة مختلف فيها فلا تهيب من قول الجمهور التهيب ينبغي أن يكون لمخالفة الأدلة المهم في هذا أن يكون البحث محررًا وأن يكون الذي يتبنى قولًا يحفظ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت