مَحجوبة عنه، قال - صلى الله عليه وسلم: «ومَا تَوَاضَعَ أحَدٌ للهِ إلاَّ رَفَعَهُ اللهُ» [1] ، ومَن طلبها من غيره وكله إلى من طلبها عنده) [2] .
ومن السنَّة: قوله - صلى الله عليه وسلم: «قال الله - عز وجل - الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما: ألقيته في النار» [3] .
قال الخطَّابي: (معْنى هذا الْكَلام أَنَّ الْكِبْرِيَاء وَالْعَظَمَة صِفَتَانِ لِلَّه سبحانه، وَاخْتَصَّ بِهِمَا لا يَشْرَكُهُ أَحَد فِيهِمَا، وَلا يَنْبَغِي لِمَخْلُوقٍ أَنْ يَتَعَاطَاهُمَا؛ لأَنَّ صِفَة الْمَخْلُوق التَّوَاضُع وَالتَّذَلُّل، وَضَرَبَ الرِّدَاء وَالإزَار مثلاَ في ذَلِكَ، يَقُول وَاَللَّه أَعْلَم كَمَا لا يُشْرَك الإِنْسَان في رِدَائِهِ وَإِزاره فكذلك لا يَشْرَكُني فِي الكِبْرِيَاء والعظمة مَخْلُوق) [4] .
وأمَّا العقل فمن جهتين: فلأنه يُرشد المرء إلى الوسائل الحقيقية التي تَهديه إلى هذا الخُلق وأمثاله، فالعقل يدل الإنسان مثلًا إلى أنَّ القوَّة في موطنها عزَّة، والرحمة في موطنها عزَّة، والكرم إن لَم يَكن تبذيرًا عزَّةٌ، وحَبْس النفس عن فعل الشهوات عزَّة، وطاعة الله وذِكْرِهِ عزَّة، ونصرة المظلوم عزَّة، وهكذا ...
ولأنَّ حاجة العقل مرتبطة بإشباع عاطفة النفس وغرائزها، فالنفس تُحبُّ الرفعة والكرامة والقوَّة، وتَكرهُ المَذلَّة والضعف والهوان؛ فكانت حاجة العقل هذه دالَّةً ومُوصلةً إلى مالكِ هذه الأنواع من العزَّة والكرامة، فتلجأ النفس إلى التذلل لله وحده، وتطبيق شرعه لِتنال منه العزَّة، والعقل السليم لا يَدلُّ إلاَّ على ذلك.
فدلَّ الشرع والعقل على أنَّ العزَّة مُلكٌ لله - جل جلاله -، وأنَّها لا تُطلبُ إلاَّ منه.
(1) : (( صحيح مسلم ) ): (4/ 1588) ، برقم: (2588) كتاب: (البر والصلة والآداب) ، باب استحباب العفو والتواضع.
(2) : (( الجامع لأحكام القرآن ) ): (17/ 355) .
(3) : أخرجه أبو داود في (( سننه ) ): (4/ 417) ، برقم (4087) ، في كتاب: (اللباس) ، باب: ما جاء في الكبر، وابن ماجة في (( سننه ) ): (4/ 458) ، برقم (4176) ، في كتاب: ... (الزهد) ، باب: البراءة من الكبر والتواضع، وصحَّحه الألباني في (( صحيح سنن أبي داود ) ): (2/ 517) .
(4) : انظر (( عون المعبود ) ): (م 6، ج 11/ 101) .