فقد كان إيْمانه ويقينه بالله - جل جلاله - مصدر قوته، وصيامه وقيامه وإنفاقه زاده في شدَّتِه، وجهاده للكفار والمنافقين كانت عظمته وعزَّته.
وخلاصة القول هنا: إنَّ كل ما يُحقِّق للمؤمن العزَّة _ مِمَّا هو مباحٌ شرعًا وعُرْفًا _: يَجبُ تَحصيله، من تِجارةٍ، وتربيةٍ، وعبادةٍ، وعلمٍ، وعملٍ ... الخ؛ لأنَّ تَحقيق كمال النفس البشرية من شتى الجوانب مطلبٌ مهمٌ يُوصل إلى الطريق التي تكون بها عزَّة المؤمن.
فالعزَّة: هي اعتزاز بقيم الإسلام، وتتمثل بالموازنة التي ذكرها الله - جل جلاله: { ... أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ... } [1] .
فهذهِ قُيودٌ ثلاثة، ذُكِرَتْ في تعريفِ الراغبِ الأصفهاني في كتابه: ... (( المفردات ) ).
وثمَّةَ تعاريفٌ أخرى للعزَّة ذكرها العلماء؛ حيث ذكر الإمام السيوطي تعريفين للعزَّة غير تعريف الراغب؛ لكنهما بمعنى واحد، فهي من باب تعدّد اللفظ والمعنى واحد.
قال السيوطي في (( معجم مقاليد العلوم ) ) [2] :
(العزَّة: التَأَبِّي عن حَمْلِ المذلَّة، وقيل: التَرَفُّع عمَّا تَلْحَقُهُ غَضَاضَةٌ) [3] .
(1) : [الفتح: 29] .
(2) : هذا الكتاب في نسبته للإمام جلال الدين السيوطي شكٌّ، بل إن الجزم يتأكد إلى أنَّ هذا الكتاب ليس من عمل جلال الدين السيوطي؛ لسببين:
السبب الأول: لأن من القواعد المشتهرة عند أولي النظر: [إرْجَاعُ الَمُشْتَبِهِ إلى المعْرُوفِ منْ حَالِ الَمُصَنِّف] وهذا قريبٌ منه؛ لأن الحال المعروف عن السيوطي هو: التوسع في التعبير، وفي نقل العبارة، وأمَّا كتاب (( معجم مقاليد العلوم ) )فإنه مختصر جدًا، والاختصار ليس ديدنًا له في كتبه.
السبب الثاني: ترجيح أ. د/ محمد إبراهيم عبادة (أستاذ الدراسات اللغوية بالإسكندرية) محقق الكتاب: أنه منسوبٌ إليه نسبة الخطأ، وغلب على ظنه أنه لِمحمد بن الحسن السيوطي، المتوفى سنة (808 هـ) ، وعلى كلٍّ: فقد ذكر أدلةً كثيرة تقطع بالجزم أن الكتاب سواءٌ أكان لشمس الدين محمد أم لغيره؛ فإنه ليس من عمل جلال الدين السيوطي. راجع مقدمة تَحقيق المعجم (ص 6 - 12) .
(3) : (( معجم مقاليد العلوم ) ): (203) ، برقم: (1675) .
و لفظ (غضاضة) من معانيه: الخفض _ هذا في الأصل _، والمقصود به هنا: (النقص) ، يقول صاحب: (( المصباح المنير ) )أحمد بن محمد الفيومي (232) : (غضَّ الرجل صوته و طرفه، و من طرفه ومن صوته، غضا من باب: قتل خفض، ومنه يقال: غض من فلان غضا و غضاضة:= = إذا تنقصه، و الغضغضة: النقصان، و غضغضت السقاء: نقصته) ، وقال في (( مختار الصحاح ) ): (1/ 199) : (و غض منه: وضع ونقص من قدره، وبابه رد، ويقال ليس عليه في هذا الأمر غضاضة: أي ذلة ومنقصة) .