وعلى ذلك: فإنَّ من جاهد نفسه ودافعها دفاع المستميت، وروَّضها على فعل الطاعات والمستحبات، وكبح جِماح شهواتها عن الحرام والمكروه، وتَرْكِ كثيرٍ من المباحات: نالَ الإحسان.
القيد الثالث: أن تكونَ هذه المدافعة من أجلِ شيئينِ _ غَالبًا _ أو أحدهما:
الأول: الفِرَارُ مِن الانهزاميةِ، وأن تُوصَفَ النفسُ بها.
الثاني: أو لأجلِ الافتخارِ والاعتزازِ بها مِن دُونِ خُيَلاءٍ وَكِبْرٍ.
لأنَّ النَفْسَ الأبيَّةَ لا تُحِبُّ أن تُوصَفَ بالانهزاميةِ والدُوْنِيَّةِ في كل الميادين، وشتَّى المستوياتِ، كما أنها لا ترضى أن يفوتها وصفٌ حَسَنٌ كريمٌ تُذكَرُ به وتُعرف.
وذلك هو المعنى المراد من قوله: (مِنْ أَنْ يُغْلَبَ) : أي من أن يُهزم ويُوسم بالانهزامية وعدم الانتصار؛ سواءٌ أكان ذلكَ الانهزام حِسْيًّا أو معنويًا.
وهذه الحالة التي تَجعل صاحبها يَأبى الهزيمة والذل والهوان؛ تستلزم وجود القوة والشدَّة فيه؛ لأنه لن يستطيع المقاومة والمدافعة.
وهذه القوة قد تُطلب في المرء من جهات، وكلّ جهة لها مَجالها، فالقوة قد تكون حسيَّة؛ فمجالها حينئذٍ: الجهاد في سبيل الله - عز وجل -، وإعداد العدَّة له، والدفاع عن النفس والعرض والمال.
وقد تكون القوَّة معنوية؛ فمجالها حينئذٍ: تَحقيق الإيمان بالله أولًا، والتيقن بموعوده، وطلب العلم الشرعي بنية التقرب إلى الله - عز وجل -، وتَحقيق كمال النفس البشرية بالأخلاق الحسنة التي تكون بها العزَّة.
وقد تكون القوة مشتركةٌ بينهما؛ فيكون مَجالها: في إنفاق المال، وتربية النفس على العبادات.
فكلَّما اجتمعت هذه القوى أكثر؛ كانت قوة صاحبها أعظم، وقد كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك القِدْحُ المعلَّى.