المطلب الثاني
تَعْرِيْفُ العزَّة اصْطِلاحًا
يدور تعريف العزَّة في مُجمله على تعريف الراغب الأصفهاني الذي أبدعَ في وصفِ معنى العزَّة _ وهو يستحقُّ بذلك أن يكون أولى التعاريف بالأخذ والاستدلال _؛ ولكن ثَمَّةَ تعاريف أخرى لجلال الدين أبي بكر السيوطي، والحرَّالي، ستُذكرُ بعد تعريف الراغب وذِكْر قيوده، فيما يلي:
العزَّة اصطلاحًا: قال الراغِبُ الأصفهاني: (العزَّة: حَالَةٌ مَانِعَةٌ للإنْسَانِ مِنْ أَنْ يُغْلَبَ) [1] . وعَلَيْهِ: فَفِي تعريفِ الراغبِ قيودٌ:
القيد الأول: أنها حالةٌ، والحالةُ وَصْفٌ مُنْبَعِثٌ مِنَ داخل النَفْسِ البشريَّة، فهي تُنسَبُ إليها في الأصلِ، كالإحساس الداخلي الذي يَشعرُ به الإنسان فيملأ القلب والنفس بالإباء، والرفعة، والاستعلاء، وعدم الرضا بالضيم، والثورة على كلِّ ما يُذلِّ النفسَ ويُهينها.
بخلافِ الهَيْئة: فهي وَصفٌ يَختصُّ بالحركاتِ الظاهرةِ دون الباطنة _ غالبًا؛ ولذلك لو قالَ ابنٌ لأبيه: هناك طارقٌ في باب البيت يُريدك، فقال الأب لابنه: وكيف هي صفته وهيئته؟ أي: أنه يسأل عن هيئته وملامحه الخارجية _، وعليه: تكون الحالة أعم من الهيئة _ والله أعلم _، وعلى كلٍّ: فالأمر واسعٌ ما دام أنه يتعلق بالمصطلحات.
ويُستفاد من كلام صاحب (( الظلال ) ): أنَّ العزَّة حالة؛ حيث وصفها بقوله: (والعزَّة الصحيحة: حقيقةٌ تستقرُّ في القلب قبل أن يكون لها مظهرٌ في دنيا الناس) [2] .
فحقيقة العزَّة أنَّها حالةٌ تَصدُرُ من القلب حال كون القلب متأثرًا بها، ومِن ثمَّ تكون الأقوال والأفعال الظاهرة تبعًا لِما يَحصل في قلب صاحبها، فلن يَقوم قائمُ العزَّة عند أحدٍ حتى يَتحرَّكُ قلبه ونَفْسُهُ بها، ومِن ثمَّ ظاهرهُ.
(1) : (( المفردات ) ): (2/ 432) ، وانظر كتاب (( بصائر ذوو التمييز ) )لمحمد بن يعقوب الفيروزابادي، (4/ 61) .
(2) : (( في ظلال القرآن ) )لسيد قطب، (5/ 2930) .