والحالة هذه لابدَّ وأن تكون معنويةً، وقد يَدخل في معنى العزَّة أن تكونَ هذهِ الحالةُ مَحْسُوسةً؛ ولكنَّها تَبعٌ للمعنويةِ، فهي الدافعةُ لَهَا.
القيد الثاني: أن تكونَ هذه الحالة موصوفة بصفةِ المنع والمدافعة.
فقوله: (مانعة للإنسان) : أي دافِعَةٌ ورادَّة للنفس الإنسانية في وقتٍ واحدٍ.
والإنسانُ: اسم جنس، فيعم كلَّ إنسان؛ سواءٌ أكان ذكرًا أو أنثى، كبيرًا أو صغيرًا.
ومعلومٌ: أنَّ المدافعة تكونُ بيْنَ طرفينِ، أو أمرينِ، أو فكرتينِ ... ، كَمَنْ تُدافِعُهُ نفسهُ بينَ فعل المعصية وتركها؛ فعندها: تظهر عِزَّةُ النفس البشريَّة عندما تُدافع ما يُقابل هذه العزَّة، وهذهِ صورةٌ من صُوَرِ العزَّة [1] .
وهذه المدافعة مَحمودة بمدح المولى لها في القرآن الكريم حيث قال - عز وجل: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) } [2] ، حيث مدحهم بوصفين: الهداية والإحسان، ومن المعلوم أن مقام الإحسان أعلى مراتب الدين الثلاثة، كما نوَّهَ إلى ذلك ابن قيِّم الجوزية في كتابه (( مدارج السالكين ) ) [3] ؛ حيث قال: (وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - إحسان العبودية أعلى مراتب الدين؛ فقال في حديث جبريل - عليه السلام - وقد سأله عن الإحسان: « .. أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ .. » [4] .
(والحاصلُ أنَّ الإحسان هو: مراعاة الخشوع والخضوع وما في معناهما في العبادة، على وجه مراعاته لو كان رائيًا) [5] ، وهذه المراعاة المذكورة لن تتمَّ إلاَّ بإعمال المدافعة والمجاهدة.
(1) : وسيأتي الحديث عن صورها في المبحث القادم _ إن شاء الله تعالى _؛ وإنما أردتُ هنا التمثيل فقط.
(2) : [العنكبوت: 69] .
(3) : (( مدارج السالكين ) ): (1/ 124) .
(4) : الحديث سبق تَخريْجه في ص: (13) .
(5) : (( فتح الملهم شرح صحيح مسلم ) )لفضل الله شبير أحمد العثماني، (1/ 168) .