رابعًا: (تربية المؤمنين عليها، ودلالتهم على أسباب تَحقيقها في ذواتهم ومجتمعاتهم؛ سواءٌ أكانت هذه التربية تصريْحًا أو تلميحًا) .
ويُمكن أن يُتصور هذا المعنى؛ في قول الله - عز وجل: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ... } [1] ، فقوله - سبحانه وتعالى: (من كان يُريدُ) : فيه ملامسةٌ لشغاف القلب، مَمْزُوجَةً بالتَرغيب والتَرهيب؛ لِتَذهَبَ إلى عزيْمة ذلك القلب، فتدفعهُ نَحو المعالي وطلب العزَّة.
وهذه تربيةٌ صريْحةٌ على طلبِ العزَّة مِمَّن يَملكها - سبحانه وتعالى -؛لأنه صرَّح بلفظها.
وأمَّا التربية عليها تلميحًا فقد وردَت في مواطن كثيرة، منها: قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) } [2] .
فقد جعل الله - عز وجل - الاستخلاف في الأرض، والتمكين فيها _ وذلك دليلٌ على العزَّة _ لِمن حقَّق الإيمان، وعَمِلَ الصالحات، ولم يشرك به - سبحانه وتعالى -.
خامسًا: (التدرج في تلقين معنى العزَّة ومفهومها) ؛ بل إنَّ مفهومها لَم يكتمل من جميعِ جوانبه إلاَّ في العهد المدني حين أمرَ الله المؤمنين بالقتال، وعدم موالاة الكفار، وذلك بعد قيام دولة الإسلام في المدينة.
وفي هذا حكمة بالغة من ربِّ العزَّة والجلالِ؛ لأنه ليس من المناسب في ابتداء الإسلام وإرادة إقامة دولته: أن يُبثَّ في قلوب أفراده ذلك المعنى؛ لقلَّةِ العدد والعُدَّة، ولضعف المسلمين وضعف شوكتهم آنذاك.
(1) : [فاطر: 10] .
(2) : [النور: 55] .