فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 327

وللتواضع حدٌّ إذا جاوزه كان ذلاًّ ومهانة، ومن قصر عنه انحرف إلى الكبر والفخر. وللعزِّ حدٌّ إذا جاوزه كان كبرًا وخُلُقًا مذمومًا، وإن قصر عنه انحرف إلى الذل و المهانة.

وضابط هذا كله: العدل، وهو الأخذ بالوسط الموضوع بين طرفي الإفراط والتفريط، وعليه بناء مصالح الدنيا والآخرة؛ بل لا تقوم مصلحة البدن إلا به، فإنه متى خرج بعض أخلاطه عن العدل وجاوزه أو نقص عنه ذهب من صحته وقوته بحسب ذلك) [1] .

ولعلَّ من الأمور المهمة أن يُذكر الفارقُ بين العزِّ الحقيقيِّ والذلِّ؛ لأنَّ العزَّة بذلك تكون وهجًا إيمانيًا، ونورًا ربانيًا؛ لِمن حقَّق وسائلها، وهي تدلُّ على حياة قلب صاحبها، والذلُّ حالةٌ تعتري الإنسان تدلُّ على ضعف إيمانه، ومرض قلبه؛ لأنَّ الذلَّ ناتجٌ عن ضعفٍ وخَوَرٍ وتَخاذلٍ بخلاف العزَّة، فالعزُّ خلاف الذل.

وأصل الذلِّ في اللغة: الضعف والهوان، قال في (( المصباح المنير ) ): (ذلَّ، ذلًّا، من باب ضرب، والاسم: الذلُّ _ بالضم _، والذِلَّة_ بالكسر _، والمذلَّة: إذا ضعف و هان فهو ذليل، والجمع: أذلاء و أذلة) [2] .

ولقد ظهر للباحث من خلال القراءة والتدبر أنَّ الفرق بين العزِّ والذلِّ يكمن في أربعة أمور _ على سبيل المقارنة _:

الأمر الأول: أنَّ العزَّة أصل منشئها القوَّة والشدَّة، وأمَّا الذلُّ فمنشؤه الضعفُ والعجز [3] ؛ لأن الضعيف عاجزٌ والقوي قادر [4] ، ألَم تَرَ إلى ذلك المجاهد الذي خرج مُستَدْبرًا بيته، مُستقبلًا أرض المعركة، تاركًا أهله وماله، وهو يعلم أنَّه بين خيارين عظيمين: الموت والشهادة أو النصر؛ فمن أين له هذه العزَّة إذا لَم تكن في قلبه القوَّة والشجاعة الكافية للقيام بمثلِ هذا العمل الجليل.

(1) : (( الفوائد ) )لِمحمد بن أبي بكر بن أيوب المعروف بـ (ابن القيم الجوزية) ، (206) .

(2) : (( المصباح المنير ) ): (111) .

(3) : أقصد منشؤها في قلب الإنسان؛ لا منشؤها من حيث الاستمداد أو المعطي لها.

(4) : وقد يَقوى الضعيف، ويَعجزُ القويُّ؛ ولكنَّ الأصل ما ذُكِرَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت