الإيْمان بالله؛ لأنَّها صادرةٌ منهُ - سبحانه وتعالى -، الله عليه وسلم - وصحابته الكرام أروع الأمثلة وأصدقها، سواءٌ أكانت على مستوى العزَّة الفردية أو الجماعية. فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد عَرَضَ عليه بنو قومه في بداية الإسلام، مع قلَّةِ العدد والعدَّة، واتخاذ سياسة الضغط عليه عن طريق عمه أحب الناس إليه آنذاك: أن يَتخلَّى عن وظيفته في الدعوة إلى الله - عز وجل - وتوحيده، وأن لا، في مقابل في زماننا _ بل وزمانهم _ من المغريات. عرضوا عليه أن يُعطوه مالًا يكون به من أغنيائهم، وعرضوا عليه حريَّة اختيار ما يشاء من النساء النسيبات، وهو سيكون، عظيم الجاه، مسموع الكلمة عندهم. فهل - صلى الله عليه وسلم - لِهذه المغريات؟! لقد قال كلامًا خالدًا سطَّرتْهُ كتب التاريخ: والله لو وضعوا الشمس في يَميْنِي والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يُظهرهُ الله أو أهلك فيه؛ ما تَركتُه، ثمَّ اسْتَعْبَرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبكى ثم قام. [2] من فوائد هذه القصَّة: 1 - وهو من عجائب هذه
الكلام البليغ: أنَّه (خَصَّ الشمس باليمين لأنها الآية المبصرة، وخصَّ القمر بالشمال لأنها الآية الممحوة، وخَصَّ رسول الله
النَّيِّرين حين ضرب المثل بهما لأن نورهما مَحسوس، من عند الله _ وهو الذي أرادوه على تركه _ هو لا مَحالة، يُغْشِي الله - سبحانه وتعالى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (((} [3] . فاقتضت بلاغة النبوة لَمَّا أرادوهُ على ترك النور الأعلى أن يُقَابلهُ بالنور الأدنى
، وأن يَخص أعلى النيِّرين وهي الآية المبصرة بأشرف اليدين وهي اليُمنى، بلاغةٌ لا مثلها،
وحكمة لا يَجهل اللبيب فضلها) . [4] 2 - ظهور مبدأ العزَّة والعظمة والكرامة التي كان عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّ هذه العزَّة إنَّما نَبَعت من قَلبٍ مُليءَ إيْمانًا بالله تبارك وتعالى، والتفاني في مَحبتهِ، والشعورُ بالمسئوليَّة العظيمة الملقاة على عاتقه من أمر الدعوة. كما أنَّ الصحابة الكرام الله عليهم كان، فالصحابي الجليل عبد الله بن حذافة السهمي - رضي الله عنه - يَضربُ
لنا أروع الأمثلة
على اعتزازه بدينه، عندما أُسِرَ مِن قِبَلِ جيش الروم هو ورِفاقُه وكان على رأس تلك السريَّة في عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وقد أُتِيَ به إلى ملك الروم فقالوا له لِلَّهِ (إن هذا من أصحاب محمد. فقال: يُغْشِي لك أن تتنصَّر وأعطيك نصف ملكي؟ قال: لو وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وجميع ما تملك، وجميع ملك العرب، ما رجعت عن دين محمد.
قال:.
قال: أنت وذاك. فأمر به، فصُلب، وقال للرماة: ارموه قريبًا من بدنه،، ويأبى، فأنزله. ودعا
بقِدْرٍ، فصبَّ فيها ماءً حتى احترقت، ودعا، فأمر بأحدهما، فألقي، وهو يعرض عليه
*، وهو يأبى، ثم بكى: إنه بكى! فظن أنه، فقال: ردوه. ما أبكاك قال: قلت: هي نفس واحدة، فكنت أشتهي أن يكون بعدد شعري أنفس تلقى في النار في الله. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ عبد الله: وعن جميع الأسارى؟: نعم. فقبل رأسه. وقدم
بالأسارى على.
فقال عمر: حقٌّ على كل مسلم أن يقبل رأس ابن حذافة، وأنا أبدأ. [5] فيا عجبًا من ذلك الإيمانِ الذي جعله يَصبرُ
على كلِّ هذه المِحَنِ والمغريات، بل وجعله يَسمو ويَرتفعُ بعزَّته، فالإسلامُ يَعلو ولا يُعلى عليه، وكذا المسلم فهو يَعلو بإسلامه. وكمْ تَحتاجُ الأمَّة _ بِمجموعها وآحادها _ لأفرادٍ يَحملونَ مثلَ ذلك الإيمان
* هو أساس العزَّة ومنبعها، لكي تُزِيْلَ غُبارَ الذُلِّ عن ذاتها، ويَزول بدوائها دائها. إنَّ الإيمان هو
الذي يَدفعُ المؤمن أنْ يُقدِّمَ جَسَدَهُ وماله ورُوحَهُ، قال الله تعالى: (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (
ويَقتحم الحواجز ... ، قال خالد بن الوليد لأهل قِنِّسرِين [7] حينما ذهب لفتحها فتحصنوا منه: إنكم لو
كنتم في السحاب لَحملَنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا، ولَم
يَزل بهم حتى فتحها الله عليه. [8]
(1) (2) :[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) (( 3) : (( من لطائف التفسير ) )لأحمد فرح عقيلات
، (1/ 483) بتصرف يسير.
(2) (1: ومن كتب السير التي ذكرت تلك القصة: (( تاريخ الطبري
وانظر: ... (( سبل الهدى والرشاد ) ): (2/ 437) .
(3) : [الصف: 8] .
(4) (1:(( الروض الأُنُف ) ): (2/ 8) .
(5) : (( سير أعلام النبلاء ) ): (2/ 14) .
(6) : [الحجرات: 15] .
(7) : (قِنِّسرين) ، مع تشديد النون من بلاد الشام وجندٌ من أجنادها؛ لأنَّ(الشام خمسة أجناد: دمشق، وحمص
، وقِنِّسرين، والأردن، وفلسطين؛ يقال لكل مدينة منها جند). (( لسان العرب ) ): (3/ 132) ،وانظر ضبطها في (( اللسان ) ): (5، وهي الآن تقع في
الجنوب الغربي من حلب، على بعد ثلاثين كيلو، وليس ثمة أثر لمدينة؛ إنَّما هي تلال عالية من التراب. هي أطلال تلك
المدينة
العظيمة وقد طمرتها (من تاريخ قنِّسرين) .
(8) (2:(( وسائل النصر من القرآن والسنَّة ) )للدكتور
* محمد جمعه عبد الله، (72) .