الوسيلة الثالثة عشرة: (التواضع) إنَّ التواضع من أسمى الصفات الزاكية، ولا يَتحلَّى به إلاَّ مَن سلكَ سبيل الأنبياء والمرسلين هو المختص بصفة الكبر على المخلوق أن يتصف بصفة التواضع لأنه مخلوقٌ، والمخلوق يَحتاج إلى غيره، ومَن احتاج وافتقر إلى غيره وجبَ عليه أن يتواضع ويُذلَّ نفسه لينال ما يُريد، ولذا جاء الحديث
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك: «ما تواضع أحدٌ لله إلاَّ رفعه» [1] . فالتواضع هو سبيل للرفعة وعلو الدرجة ونيل المقامات العالية، ومَن رفعه الله فلا واضع له، فكان هو العزيز في.
والتواضع من أقوى الوسائل لتحقيق معنى العزَّة؛ لأنَّ الله هو الذي يكسو المتواضع بثوب العزَّة والرفعة، قال الرازي: (اطلب خَمسة في خَمسة، وذكرَ منها: اطلب العزَّ في التواضع لا في المال والعشيرة) . [2] إلاَّ أنَّ التواضع ليس على إطلاقه يكون من وسائل إبراز
العزَّة وترسيخها، وإنما يكون كذلك عندما يوضع في موضعه، فالتواضع للكفار والمنافقين يُعتبر، وكذلك هو الأمر في الصدع بقولة الحقِّ وإنكار المنكر والأمر بالمعروف؛ لأنَّ مَن ظنَّ أنَّ التواضع للمسلمين في هذه الأمور وغيرها فقد أخطأ، وفقد مقومًا من مقومات العزَّة؛ بل إنَّه هدمٌ لهذه الصفة والاتصاف بضدها وهي المذلة. كما أنَّ التواضع لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولِما جاء عنهما، هو عمود
العزَّة وأساسها الذي
تقوم عليه حياة الإنسان؛ لأنَّ المرء بقدر ما يَخضع للشرع وينقاد، بقدر ما يَعلو مقامه ويَزداد. والعزُّ طريقه الأول: التواضع؛، ويَحتاج إلى أسبابٍ، ولا يكون ذلك، والتواضع والنزول لخلق الله، وبالتواضع وخفض الجناح _ من غير مذلَّةٍ _ يُدرك الخير كلّه.
(1) : سبق تخريْجهُ في صفحة:(
(2) (ابْنِ) : (( التفسير الكبير ) ): (2/ 168) .